وأمّا عدم الدليل النقلي : فلأنّ الآيات والروايات المتناسبة للمقام على طائفتين لا دلالة فيهما على كون الفحص واجباً نفسيّاً تهيّئيّاً :
الطائفة الأولى : ما تدلّ على أنّ التفقّه في الدين وتعلّم معالمه واجب نفسي ، لكن لا دلالة فيها على كون وجوبه لأجل التهيّؤ لواجب آخر .
منها : قوله تعالى : « فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » « 1 » .
فإنّها تدلّ على أنّ « التفقّه في الدين » واجب كفائي « 2 » .
ولم يجعل مقدّمة لغيره كي يكون وجوبه تهيّئيّاً .
فإنّ قوله : « وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ » عطف على قوله : « لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ » ، فهو في عرضه ، لا من غاياته المتفرّعة عليه ، كي يكون « التفقّه في الدين » واجباً تهيّئيّاً لأجله .
فكما أنّ « الإنذار » وظيفة نفسيّة أصليّة ، فكذلك « التفقّه في الدين » بل هو أولى بذلك ، لأنّ ل « الإنذار » غاية ، وهي قوله : « لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » دون « التفقّه » فهو مطلوب نفسي أصلي ، من دون أن يكون فيه شائبة التهيّئيّة أصلًا .
ومنها : الأخبار الكثيرة الواردة في فضل العلم والعالم والتفقّه في الدين ، كما عن أبي جعفر عليه السلام قال : « الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين ، والصبر على النائبة ، وتقدير المعيشة » « 3 » .
فإنّه يدلّ على أنّ « التفقّه في الدين » بنفسه كمال ، بل هو كلّ الكمال ، فلا
هامش
( 1 ) التوبة : 122 .
( 2 ) و « الكفائيّة » تستفاد من قوله : « مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ » ضرورة أنّه لو كان واجباً عينيّاً لوجب النفر والتفقّه على الجميع . منه مدّ ظلّه .
( 3 ) الكافي 1 : 32 ، كتاب فضل العلم ، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ، الحديث 4 .