فتلخّص من جميع ما ذكرناه أنّ محلّ النزاع موضعان :
أحدهما : أن يكون دليل القيد والمقيّد فاقدين للإطلاق .
ثانيهما : أن يكون لكليهما إطلاق من دون أن يكون أحد الإطلاقين حاكماً على الآخر . في حكم العقل عند الاضطرار إلى ترك أحد القيود
بيان الحقّ في المسألة
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : في مقتضى الأصل العقلي والقاعدة الأوّليّة .
وثانيهما : في مقتضى القواعد الأخر .
أمّا المقام الأوّل : فنقول فيه : إذا عجز المكلّف عن القيد فهل تجري البراءة العقليّة مطلقاً ، أو لا تجري مطلقاً ، أو تجري في بعض الصور دون بعض آخر ؟
فيه وجوه .
ولا إشكال في جريانها إذا كان عاجزاً قبل البلوغ ، كما إذا كان أخرس ، لم يقدر على قراءة الفاتحة قبل البلوغ ، وكان الفاتحة بعنوان القراءة جزءً للصلاة ، لأنّه يشكّ في توجّه التكليف بالصلاة إليه ، وهذه شبهة بدويّة حكميّة ، نظير الشكّ في حرمة شرب التتن .
وكذا لا إشكال في جريانها إذا كان عجزه مستوعباً لجميع الوقت ، كما إذا صار عاجزاً عن قراءة الفاتحة أوّل الزوال واستدام إلى آخر النهار ، ولا يضرّ بجريان البراءة أنّه كان قادراً أمس وسيصير قادراً غداً ، لأنّ لكلّ يوم تكليفاً مستقلّاً لا يرتبط بعضها بالبعض .
إنّما الإشكال فيما إذا صار عاجزاً في أثناء الوقت ، والظاهر جريان البراءة في هذه الصورة أيضاً وإن كان أخفى بالنسبة إلى الصورتين الأوليين .