والنهي تابعين للمصلحة والمفسدة الموجودتين في المأمور به والمنهي عنه ، بل القائلون به أيضاً لا يقولون به في جميع الموارد ، ألا ترى أنّ صاحب الكفاية رحمه الله قال : قد لا تكون في متعلّق الأمر مصلحة ، ولا في متعلّق النهي مفسدة ، بل المصلحة في نفس الأمر والنهي ، كالأوامر الاختباريّة والاعتذاريّة « 1 » .
وثانياً : أنّهم اختلفوا في أنّ الدلالة الالتزاميّة اللفظيّة هل هي مختصّة بما إذا كان اللزوم بيّناً بالمعنى الأخصّ ، أي الذي يلزم فيه تصوّر اللازم بمجرّد تصوّر الملزوم « 2 » ، أو تعمّ البيّن بالمعنى الأعمّ أيضاً ، وهو الذي ينتقل فيه الذهن إلى الملازمة بعد تصوّر اللازم والملزوم كليهما ، والمقام على فرض تحقّق الملازمة من قبيل الثاني ، أعني اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ ، إذ لا ينتقل أذهاننا إلى الملازمة بين الأمر وبين المصلحة الواقعة في متعلّقه إلّابعد تصوّر كليهما ، وقد عرفت أنّهم اختلفوا في كونه من مصاديق الدلالة اللفظيّة الالتزاميّة .
والحاصل : أنّ الصحيح ما اختاره المحقّق الخراساني رحمه الله في عنوان المسألة ، وإن كان خارجاً عن مباحث الألفاظ .
هامش
( 1 ) الأمر الاختباري : ما كان الداعي إلى صدوره مجرّد اختبار العبد بأنّه هل هو مطيع أو عاصٍ ، من دون أن يكون في متعلّقه مصلحة أصلًا ، كما في أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام .
إن قلت : الاختبار صحيح بالنسبة إلى الموالي العرفيّة ، لا بالنسبة إلى اللَّه العليم بذات الصدور .
قلت : مضافاً إلى أنّ المناقشة في المثال ليست من دأب المحصّلين ، إنّ الاختبار تارةً يكون لأجل استعلام المولى المختبر ، وأخرى بداعي تبيّن حال العبد للناس ، كي يعلموا بلياقته لتقبّل المناصب الإلهيّة مثلًا ، ويكون اسوةً لهم في التسليم والانقياد في قبال أوامر المولى ، كما في قصّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام .
والأمر الاعتذاري : ما كان الداعي إلى صدوره اعتذار المولى في عقوبة عبده ، كما إذا كان له عبد عاصٍ يؤذيه كثيراً ، فيريد عقوبته ، وليس له مبرّر بحسب الظاهر ، فيأمره بعمل ليس فيه مصلحة أصلًا ، لكنّه يعلم أنّ العبد لا يمتثله ، فيصير مبرّراً لعقوبته . م ح - ى .
( 2 ) كما في لوازم الماهيّة . منه مدّ ظلّه .