قلت : إنّ المشهور قائل بأنّ الشارع يجعل حكماً ظاهريّاً على طبق مؤدّى الأمارات الشرعيّة ، وإن كانت مخالفة للواقع ، فإذا قام خبر الواحد مثلًا على وجوب صلاة الجمعة قطعنا - على قول المشهور - بوجوبها الظاهري ، والأحكام في التعريف أعمّ من الواقعيّة والظاهريّة ، فيشمل القطع ، للقطع بالحكم الواقعي المستنبط به ، والحجج الشرعيّة التي منها الظنّ الانسدادي بناءً على الكشف ، للقطع بالحكم الظاهري المجعول على طبقها ، دون الظنّ الانسدادي على الحكومة ، فإنّه حجّة عقليّة ظنّيّة ، فلا علم لنا بالحكم الواقعي المستنبط بها كما هو واضح ، ولا جعل الشارع حكماً ظاهريّاً على طبقه ، لاختصاصه عند القائلين به بالحجج الشرعيّة .
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنّ دعوى عدم شمول الاستنباط في التعريف للاستنباط الظنّي مجازفة ، إذ يمكن أن يكون مرادهم أعمّ من القطعي والظنّي .
وتوضيح الإشكال الثاني يحتاج إلى مقدّمة :
وهي أنّ جمعاً من الاصوليّين منهم الشيخ الأعظم الأنصاري والمحقّق الخراساني رحمهما الله قالوا بأنّ مسائل الأصول العمليّة الجارية في الشبهات الحكميّة « 1 » داخلة في علم الأصول ، وأمّا الجارية في الشبهات الموضوعيّة « 2 » فهي من القواعد الفقهيّة ، كقاعدة نفي الضرر والحرج .
وقالوا في توجيه الفرق بينهما : إنّ المجتهد إنّما يفتي بالحكم الكلّي من مثل
هامش
( 1 ) كاستصحاب وجوب صلاة الجمعة ، وأصالة الحلّيّة في شرب التتن عند الشكّ في حرمته وحلّيّته ، وأصالة البراءة عن الدُّعاء عند رؤية الهلال إذا شكّ في وجوبه . م ح - ى .
( 2 ) كاستصحاب نجاسة الثوب الخاصّ ، وأصالة الحلّيّة في المائع المردّد بين الخمر والماء ، وأصالة الطهارة في الماء المشكوك طهارته ونجاسته . م ح - ى .