وفيه : ما تقدّم من أنّ الوضع عبارة عن جعل اللفظ علامة للمعنى ، وقد عرفت فساد القول بالملازمة في مسألة حقيقة الوضع « 1 » .
فثبت القول الثالث ، وهو أنّ وقوع الاشتراك أمر ممكن ، ولا يكون ضروريّاً ولا مستحيلًا ، بل لا ينبغي إنكار وقوعه في كلام العرب ، فإنّ لفظ العين والقرء ونحوهما من الألفاظ المشتركة .
في منشأ وقوع الاشتراك
وأمّا الجهة الثانية : فما قيل أو يمكن أن يقال فيها وجوه ثلاثة :
الأوّل : أنّ منشأ وقوع الاشتراك هو الاختلاف بين القبائل أو البلاد ، فإنّ أهل قبيلة أو بلد وضعوا لفظ العين مثلًا للعين الباكية وأهل قبيلة أخرى أو بلد آخر وضعوه للعين الجارية ، وأهل قبيلة ثالثة أو بلد ثالث وضعوه لمعنى آخر ، ثمّ اللغويّون تتبّعوا اصطلاحات القبائل والبلاد في معاني الألفاظ فوجدوا بعضها مشتركاً بين معنيين أو أكثر .
الثاني : أنّ غرض الواضع من الوضع كما يتعلّق بتفهيم تمام المراد وتفهّمه بسهولة قد يتعلّق أيضاً غرضه بتفهيم المراد وتفهّمه إجمالًا ، فيضع لفظاً واحداً لمعنيين أو أكثر ليستعمله المتكلِّم بدون قرينة عند إرادة الإجمال ، فصيرورة الكلام مجملًا بالاشتراك لا تكون دليلًا على امتناعه ، بل تكون علّةً لوقوعه .
الثالث : أنّه قد يصير اللفظ بسبب كثرة الاستعمال في المعنى المجازي مستغنياً عن القرينة ، فيصير معناً حقيقيّاً تعيّنيّاً من دون أن يهجر معناه الحقيقي التعييني ، فيصبح اللفظ مشتركاً بينهما .
هامش
( 1 ) راجع ص 127 .