يمتنع القصد إلى تكوينه . فثبت : أن الفاعل المختار يجب أن يكون مدركا . فلما كان البدن هو المدرك ، وجب أن يكون الفاعل المختار : هو البدن ، أو شيء موجود في البدن .
و أما المقدمة الرابعة : و هي أنه لما ثبت أن البدن موصوف بالإدراكات الجزئية ، و الإدراكات الكلية ، و بالحركات الإرادية ، كان جوهر البدن موصوفا بمجموع هذه الصفات . و لا معنى للإنسان إلّا الجوهر الموصوف بهذه الصفات و ذلك يوجب القطع بأن الإنسان هو البدن أو جسم موجود فيه و إذا ثبت هذا فلو فرضنا جوهرا مجردا مفارقا لهذا البدن ، لكان ذلك الشيء موجودا مغايرا للإنسان . فيكون الإنسان هو هذا البدن الموصوف بهذه الإدراكات الجزئية و الكلية [ و الحركات الإرادية « 1 » ] و هذا بحث نفيس .
الحجة الثامنة للقائلين بأن النفس جسم : لهم « 2 » أن يقولوا : لو كانت النفس جوهرا مجردا عن الحجمية و التحيز ، لا متنع أن يتوقف فعلها على مماسة محل الفعل . لأن ما لا يكون متحيزا ، امتنع أن يصير مماسا للمتحيز . و إذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ يكون فعلها على سبيل الاختراع من غير حاجة إلى حصول مماسة و ملاقاة بين الفاعل و بين محل الفعل .
و لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن يقدر الواحد منا على تحريك الأجسام ، من غير أن يماسها ، و من غير أن يماس شيئا يماسها . و ذلك لأن جوهر النفس ، لما كانت قادرة على تحريك البدن من غير حصول مماسة بينها و بين ذلك البدن ، علمنا : أن جوهر النفس قادر على تحريك الجسم من غير واسطة المماسة . و سائر الأجسام قابلة للحركة ، و نسبة جوهر النفس إلى كلّ الأجسام على السوية ، فلما قدرت النفس على تحريك بعضها من غير المماسة وجب حصول قدرتها على تحريك البقية من غير المماسة ، و لما كان ذلك باطلا [ بالبديهة « 3 » ] علمنا : أن النفس لا تقوى على التحريك ، إلّا به شرط أن تماس ما يماسه . و كلّ ما كان مماسا لشيء من الأجسام ، فهو متحيز . فوجب أن يكون النفس جوهرا متحيزا .
و هو المطلوب .
هامش
( 1 ) . من ( ل ، طا ) .
( 2 ) . هي أن نقول ( ل ) .
( 3 ) . سقط ( ط ) .