تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العناوين الفقهية — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وزعموا أن الحكمين يتنافيان ، ولازم الجواز رجوع العوض بعينه ، مع أنه ليس كذلك في القرض ، وأنت خبير بأن القول بلزوم القرض مما تشمئز منه النفس ، فإن القرض الذي للمقرض مطالبته وللمقترض أداؤه متى شاء كيف يعقل كونه عقدا لازما ؟ وهذا مما هو مركوز في أذهان المتشرعة ركوزا ظاهرا . والذي يخالجني في المقام في حل الإشكال وإن لم أجد من يساعدني عليه من كلام فقيه أو غيره أن يقال : إنه ليس عقد القرض - مثلا - إلا معاوضة ، فإنه تمليك للمال بإزاء عوض ، لا مجانا ، فإذا بذل المقرض أحد العوضين فله أن يطالب بالعوض الاخر كما في سائر المعاوضات ، وليس لأحد أن يقول : إن مطالبة البائع الثمن ومطالبة المشتري المبيع فسخ للبيع ، فإن ذلك إمضاء لمقتضاه ، ومقتضى عقد القرض أن قبض المال يوجب ثبوت مثله أو قيمته في ذمة المقترض ، وليس هذا إلا كالبيع بالمثل أو القيمة ، فإذا طالب العوض فقد طالب المثل والقيمة ، ولزم المقترض الدفع إتيانا بمقتضى المعاوضة ، فليس هذا فسخا حتى يجب دفع العين ، بل إنما هو طلب لما لزم بالمعاوضة ، وهو مؤكد لبقاء العقد لا فاسخ . نعم ، إذا قال المقرض : فسخت القرض - بمعنى الأبطال وعدم الأذن في التصرف - وكان العين باقيا فاللازم على المقترض دفع العين ، لأنه أبطل الملك بإبطال سببه ، فرجع إلى ملك المالك الأول وسقط عن ذمة المقترض العوض ، كما أن المقترض لو قال : فسخت القرض لا يجوز له التصرف بعد ذلك بالعين الموجود ، لبطلان ما أوجب التمليك ، وزوال الأذن بزواله - على ما هو التحقيق - . فالذي تلخص من ذلك : أن العقد الجائز ما كان قابلا للفسخ الموجب لرجوع كل عوض إلى مالكه وبطلان الآثار المترتبة عليه ، وليس عقد القرض من اللازم على ما تخيله بعض المتأخرين ، للإجماع على خلافه ظاهرا ، ولا جائزا بهذا المعنى ، إذ لا يكاد يظهر على ظاهر كلامهم فرق بين بقائه وانفساخه ، بل الحق : أن كلامهم في عدم وجوب دفع العين منزل على مطالبة المقرض العوض ، لا فسخه للعقد . هكذا ينبغي أن يحقق المقام ، وله نظائر كثيرة .