تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العناوين الفقهية — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
في أن الشهيد رحمه الله ذكر بعد ذلك : أن الغرر قد يكون بماله دخل ظاهر في العوضين وهو ممتنع إجماعا ، وقد يكون بما يتسامح - كأس الجدار واشتراط الحمل - وهو معفو إجماعا ، وقد يكون بينهما ، وهو محل الخلاف ، كالجزاف في مال الإجارة والمضاربة ( 1 ) . وظاهر كلامه هذا : أن هذه الثلاثة من أفراد الغرر ، مع أن الجزاف في مال الإجارة ومال المضاربة عبارة عن عدم العلم بالمقدار ، وهو عبارة عن المجهولية ، وقد ذكر أن الغرر عبارة عن الجهل بالحصول لا الجهل بالصفة ، فكيف عد من أفراد الغرر ما هو من المجهول ؟ فبين كلاميه تدافع واضح لو كان المراد ما ذكرناه . وبعد التأمل يظهر : أن مراد الشهيد رحمه الله من عد المجهول خارجا عن الغرر ليس بالمعنى الذي ذكرناه ، بل الظاهر أنه يريد اعتبار الحيثيات ، بمعنى : أن الغرر لما كان عبارة عن الخطر فيكون معناه عبارة عن الأقدام على شئ لا يعلم منه حصول المقصود ، إذ الخطر معناه حصول النقص والضرر وعدم تمامية المطلوب ، والمجهول عبارة عما لا يعلم كما أو كيفا أو معا ، ولا ريب أن الجهل بهذا المعنى مغاير للغرر مباين له ، ولكن بينهما عموم وخصوص من وجه بحسب المورد ، فالمجهولية شئ والغرر شئ آخر ، غاية ما في الباب : أنه قد يجتمع في الشئ غرر مع جهالة ، وأما بيان مادة يتحقق فيها الجهالة ولا يتحقق فيها الغرر حتى يثبت به العموم من وجه بحسب المورد فربما يمثل له بما لو اشترى - مثلا - شيئا مجهولا بأخس الاحتمالات في المالية - بمعنى أن يبذل في مقابله ما لا يمكن النقصان عنه في المالية - فإنه لا غرر هنا ، إذ لا يحتمل هنا عدم حصول ما يقابل العوض ، إذ كل ما كان فهو يقابل العوض المبذول ، والجهالة في المقام موجودة . وما مثل به الشهيد رحمه الله من مال المضاربة من موارد اجتماع الغرر والجهالة . ولا مانع منه ، إذ إطلاق الغرر عليه من جهة كونه مجهول الحصول بالمقدار المقصود ، بمعنى : أن كل مجهول في المعاملة لا يعلم كونه بمقدار هو مقصود للعاقد ،
هامش
( 1 ) القواعد والفوائد 2 : 138 ، القاعدة 199 .