إنما يقصد بها مصالح المكلفين ، والمصلحة في الفعل الأشق أعظم منها في الفعل
الأخف ، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك ولأن الغالب على
الظن إنما هو تأخره عن الأخف ، نظرا إلى المألوف من أحوال العقلاء ، فإن من قصد
تحصيل مقصود بفعل من الافعال ولم يحصل به لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه بل بما هو
أعلى منه ، فبتقدير تقدم الأخف على الأثقل يكون موافقا لنظر أهل العرف ، فكان أولى ،
ولأن زيادة ثقله تدل على تأكد المقصود منه على مقصود الأخف ، فالمحافظة عليه
تكون أولى .
الحادي عشر : أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما
مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى ، لكونه أبعد عن
الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله
أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل ، ولهذا كان مختلفا فيه ، ومتفقا على مقابله .
وأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج .
الأول : منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر ، من كتاب أو سنة أو
إجماع أو قياس أو عقل أو حس ، والآخر على خلافه ، فما هو على وفق الدليل الخارج
أولى ، لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله ، ولأن العمل به ، وإن أفضى إلى مخالفة مقابله
وهو دليل واحد ، فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين والعمل بما يلزم معه مخالفة
دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين .
الثاني : أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة ، أو الأئمة الأربعة
أو بعض الأمة بخلاف الآخر ، فما عمل به يكون أولى ، أما ما عمل به أهل المدينة
فلأنهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل ، وكذلك الأئمة والخلفاء
الراشدون ، لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على ما سبق تعريفه
وذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض ،
وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الأمة يكون أغلب على الظن ، فكان أولى
الاحكام — صفحة 264
مساهمون: الآمدي
ص٢٦٤