منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل ، والحرمة أوفى لتحصيل
ذلك المقصود ، فكانت أولى بالمحافظة .
وأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو طلب
الترك العمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل ، وفيه إبطال دلالة المحرم .
ولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الابطال يكون أولى ، وبما حققناه في
ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب .
الرابع : أن يكون حكم أحدهما إثباتا ، والآخر نفيا ، وذلك كخبر بلال بأن
النبي عليه السلام ، دخل البيت وصلى ، وخبر أسامة أنه دخل ولم يصل فالنافي
مرجح على المثبت ، خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء . والمثبت ، وإن
كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم ، غير أن النافي لو قدرنا تقدمه على
المثبت ، كانت فائدته التأكيد ، ولو قدرنا تأخره ، كانت فائدته التأسيس ، وفائدة
التأسيس أولى ، لما سبق تقريره ، فكان القضاء بتأخيره أولى .
فإن قيل : إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت ورفع حكمه دون تقدمه .
قلنا : هو معارض بمثله ، فإنا لو قدرنا تقدم النافي ، فالمثبت بعده يكون نافيا لحكمه
ورافعا له .
فإن قيل : المثبت ، وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه ، فرافع لما
فائدته التأكيد ، ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس ، فكان فرض
تأخر المثبت أولى .
الاحكام — صفحة 261
مساهمون: الآمدي
ص٢٦١