قلنا : إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه ، فالمثبت يكون
رافعا لحكم تأسيسي ، وهو الباقي على الحال الأصلي وزيادة ما حصل من النافي
من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا ، فإنه لا يرفع غير التأسيس ، وما لا
يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى رفع الامرين معا ،
وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق ، والنافي غير مجمع على
إفادته لحكم شرعي . والغالب من الشارع أنه لا يتولى بيان غير الشرعي ، فمع أنه
غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود لذاته ، وإنما هو مقصود لحكمته ،
لكونه وسيلة إليها وحكمة الاثبات ، وإن كانت مقصودة ، فكذلك حكمة النفي ، فهو
معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو المألوف منه إنما هو التقرير
لا التغيير ، وعلى هذا ، فالحكم للنفي الأصلي يكون أولى من المغير .
الخامس : أن يكون حكم أحدهما معقولا ، والآخر غير معقول ، فما حكمه غير معقول ،
وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث ، إلا أن مقصود الشارع
بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول ، نظرا إلى سهولة الانقياد وسرعة القبول ، وما
شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى . ولهذا ، كان شرع المعقول
أغلب من شرع غير المعقول ، حتى إنه قد قيل إنه لا حكم إلا وهو معقول ، حتى
في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير معقول ، ولأن ما يتعلق بالمعقول
من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية والالحاق أكثر منه في غير المعقول ، فكان أولى
وما كانت جهة تعقله أقوى كما يأتي وجه التفصيل فيه في العلل ، فهو أولى .
السادس : أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر ، كموجب
الجلد مع الموجب للجلد والتغريب ، فالموجب للزيادة يكون أولى ، لان العمل
بالزيادة غير موجب لابطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه
عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لابطال المنطوق في الدلالة على وجوب الزيادة ،
وما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل ، أولى مما يفضي إلى الابطال ، ولأن
دلالة الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ ، ووجوب
الاحكام — صفحة 262
مساهمون: الآمدي
ص٢٦٢