نوحا بالذكر ، مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد ، كان تشريفا له
وتكريما ، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه ، والمؤمنين بلفظ العباد ، وعن قوله
تعالى : * ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ) * ( النحل : 123 ) أن المراد بلفظ الملة ، إنما هو أصول التوحيد
وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع الشرعية ، ويدل على ذلك أربعة أوجه ،
الأول أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع الشرعية ، بدليل أنه لا يقال ملة الشافعي
وملة أبي حنيفة ، لمذهبيهما في الفروع الشرعية .
الثاني : أنه قال عقيب ذلك * ( وما كان من المشركين ) * ( النحل : 123 ) ، ذكر ذلك في مقابلة الدين ،
ومقابل الشرك إنما هو التوحيد .
الثالث : أنه قال * ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) * ( البقرة : 130 ) ولو كان المراد
من الدين الاحكام الفرعية ، لكان من خالفه فيها من الأنبياء سفيها ، وهو محال .
الرابع : أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة ، لوجب على النبي عليه
السلام ، البحث عنها لكونه مأمورا بها ، وذلك مع اندراسها ممتنع . ثم وإن سلمنا
أن المراد بالملة الفروع الشرعية ، غير أنه إنما وجب عليه اتباعها بما أوحى . ولهذا
قال : ثم أوحينا إليك .
وعن قوله تعالى * ( إنا أنزلنا التوراة ) * ( المائدة : 44 ) الآية ، أن قوله * ( يحكم بها النبيون ) * ( المائدة : 44 ) صيغة
إخبار ، لا صيغة أمر ، وذلك لا يدل على وجوب اتباعها . وبتقدير أن يكون ذلك
أمرا ، فيجب حمله على ما هو مشترك الوجوب بين جميع الأنبياء ، وهو التوحيد ،
الاحكام — صفحة 146
مساهمون: الآمدي
ص١٤٦