ما يدلّ على اشتراط البلوغ في العاقد
والذي يدلّ على اشتراط البلوغ هنا وفي سائر العقود ، أمور :
الأوّل : بناء العقلاء من أهل العرف على عدم الاعتبار بتعهّدات الصبيّ ، والمجنون ، والسكران ، وأشباههم ، فلا يرونهم أهلًا لذلك ؛ من دون فرق بين أرباب الملل وغيرهم ، وهذا أمر واضح حتّى في الأمم السالفة على الإسلام على اختلاف مشاربهم ومسالكهم . نعم ، قد يكون بين الأمم فرق في تعيين سنّ التكليف ، ولكن لا اختلاف بينهم في بطلان عقود الصغار والمجانين وسكارى إذا سلب عقلهم مطلقاً ، وقد أمضاه الشارع المقدّس ؛ لعدم ردعه عنه ، بل تأييده ، وهذا من أوضح الدليل على المقصود ؛ وإن لم يستند إليه الأصحاب في كتبهم .
الثاني : حديث رفع القلم عن الثلاثة :
« عن الصبيّ حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يفيق ، وعن النائم حتّى يستيقظ »
والحديث معروف ومعمول به عند الأصحاب « 1 » .
وقد أورد عليه : بأنّ المراد منه قلم التكليف ، لا الأحكام الوضعية ، ولهذا يضمن الغلام والصبيّ لو أتلفا مال الغير .
ولكنّ الإنصاف : أنّه فرق بين الأحكام الوضعية الناشئة عن أمور خارجية ، مثل إتلاف مال الغير ، وبين التكاليف الناشئة عن تعهّدات اختيارية ، فإذا كان التكليف ساقطاً عن الصبيّ ، كانت العقود والعهود الباعثة على أحكام وتكاليف ، أيضاً ساقطة عنه .
الثالث : الأحاديث الدالّة على أنّ عمد الصبيّ وخطأه واحد « 2 » .
وقد يجاب عنها : بأنّها ليست ناظرة إلى جميع أحكام الصبيان المترتّبة على العمد ، بل هي ناظرة إلى خصوص أبواب الديات ، ولذا فسّر في بعض الروايات بقوله :
« عمد الصبيّ خطأ تحمله العاقلة » « 3 »
، وعلى الأقلّ يشكّ في عموم الحكم فيها ،
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 1 : 45 ، أبواب مقدّمات العبادات ، الباب 4 ، الحديث 11 .
( 2 ) . وسائل الشيعة 29 : 400 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ، الباب 11 ، الحديث 2 .
( 3 ) . وسائل الشيعة 29 : 89 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ، الباب 11 ، الحديث 3 .