تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
خارجي ، كما إذا تحقّق مجيء زيد في الخارج ، ويتحقّق فيما بعد ، فنقول : « جاء زيد » أو يجيء زيد » فإن طابقت النسبة الكلامية الواقع ، كان صدقاً ، وإلّا كان كذباً . ولكنّ الإنشاء هو إيجاد شيء في عالم الاعتبار بنفس الكلام ، مع قصده ، مثلًا النداء أو الاستفهام ، ليس شيئاً خارجياً يحكي عنه القائل باللفظ ، بل شيء يوجده ، وكذا الأمر والنهي ، وكذا البيع والنكاح ؛ وإن كان بين أقسام الإنشاء فرق ، فالعلقة الاعتبارية بين الزوج والزوجة ، ليست أمراً موجوداً خارجياً ، بل أمر اعتباري ذهني فرضي يوجده المنشئ ؛ فيجعل هذه زوجة لهذا في عالم الاعتبار ، ومنظمّة إليه ، والعقلاء يفرضون لهذا الاعتبار أحكاماً كثيرة ؛ قد تكون أكثر من الأحكام المترتّبة على الواقعيات العينية ، وذلك لنظام معاشهم ، وحفظ مجتمعهم . وحقيقة الإنشاء أمر دقيق جدّاً خفي على الناس إلّاالعلماء منهم ، ولكنّها بإجمالها معلومة لكلّ أحد حتّى الصبيان ؛ لأنّها مبتلى بها ليلًا ونهاراً ، فإذا قال الأب لولده الصغير : « خذ هذا ؛ فقد وهبته لك » يفهم أنّ علقة الملكية حصلت له ، ويرى نفسه بعد ذلك أحقّ الناس به بعد أن لم يكن كذلك ، فلو زاحمه أحد يقول : « هذا مالي ، وهبه لي أبي » فكنهه في غاية الخفاء ، ولكن مفهومه من أظهر الأشياء . إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ اللازم في العقد قصد الإنشاء ؛ أي إيجاد علقة الزوجية ، والتفريق بينه وبين الإخبار . ولكن هذا أمر سهل بسيط ، لا كما يظهر من بعض أهل العلم من أنّه أمر مشكل لا يعرفه العوامّ ، فلا يصحّ منهم إجراء الصيغة ، بل قد عرفت أنّه يعرفه الصبيان أيضاً ، وليس أمراً صعباً ، ولا معنى للتشدّد فيه . والحاصل : أنّ هناك اموراً ظاهرةً بوجودها الإجمالي ، ولكن كنهها خفي جدّاً ، لا في خصوص ذات اللَّه تعالى ، بل بالنسبة إلى كثير من الموجودات الإمكانية ، كالزمان ، والمكان ، وقوّة الجاذبية الموجودة في الأرض ، وشبهها ، فإنّها من الواضحات لكلّ أحد بوجودها الإجمالي ؛ حتّى بالنسبة إلى الصبيان ، ولكن حقيقة الزمان والمكان ماذا ؟ قد تحيّر فيهما الفلاسفة ، وحقيقة قوّة الجاذبية الأرضية ماذا ؟