وقال عن شياطين الجن والإنس : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الآنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ . وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ .
واتضح بذلك أن معنى الوحي واسع ، وبهذا تعرف خطأ من يستغربون أن المعصوم من أهل البيت ( عليهم السلام ) قد يوحي الله اليه لكن ليس وحي نبوة ، بل وحي إمامة وإلهام .
4 . وقد اتضح بما تقدم ضعف تعريف الراغب للوحي ، وكذا تقسيماته . وينبغي التنبيه إلى تفسيره لقوله تعالى : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، بأنه » وحيٌ إلى الأمم بوساطة الأنبياء « ! وهو من مقولات المتصوفة ، ويرده أنه وصفهم بأن الآية تنص على أنهم أنبياء أئمة ، فلا يشمل الوحي غيرهم ، وكونهم رسلاً إلى أممهم لا يوجب أن يكون الوحي للأمم بواسطتهم .
وَدَدَ - وُداً - ودود - مودة - وَدَّ وسواع
الوُدُّ : محبة الشئ وتمني كونه ، ويستعمل في كل واحد من المعنيين . على أن التمني يتضمن معنى الود ، لأن التمني هو تشهي حصول ما تَوَدُّهُ . وقوله تعالى : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً « الروم : 21 » وقوله : سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا « مريم : 96 » فإشارةٌ إلى ما أوقع بينهم من الألفة المذكورة في قوله : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ . الآية . « الأنفال : 63 » وفي المودة التي تقتضي المحبة المجردة في قوله : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى . « الشورى : 23 » .
وقوله : وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ « البروج : 14 » إن رَبي رَحِيمٌ وَدُودٌ « هود : 90 » فالودود يتضمن ما دخل في قوله : فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « المائدة : 54 » . وتقدم معنى محبة الله لعباده ومحبة العباد له ، قال بعضهم : مودة الله لعباده هي مراعاته لهم . روي أن الله تعالى قال لموسى : أنا لا أغفل عن الصغير لصغره ولا عن الكبير لكبره ، وأنا الودود الشكور . فيصح أن يكون معنى : سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا « مريم : 96 » معنى قوله : فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « المائدة : 54 » .
ومن المودة التي تقتضي معنى التمني : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ « آل عمران : 69 » وقال : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ « الحجر : 2 » وقال : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ « آل عمران : 118 » وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ « البقرة : 109 » وَتَوَدُّونَ إن غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ « الأنفال : 7 » وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا « النساء : 89 » يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ « المعارج : 11 » وقوله : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ « المجادلة : 22 » فنهى عن موالاة الكفار وعن مظاهرتهم ، كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ إلى قوله : بِالْمَوَدَّةِ « الممتحنة : 1 » أي بأسباب المحبة من النصيحة ونحوها . كَأن لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ « النساء : 73 » . وفلان وديد فلان : مُوَادُّه .
والوَدُّ : صنم سمي بذلك ، إما لمودتهم له أو لاعتقادهم أن بينه وبين الباري مودة تعالى الله عن القبائح . والوُد : الوتد ، وأصله يصح أن يكون وتد فأدغم ، وأن يكون لتعلق مايشدّ به ، أو لثبوته في مكانه فتصور منه معنى المودة والملازمة .
. ملاحظات .
1 . فرض الله على المسلمين التمسك بعد نبيهم بالقرآن والعترة ، وأمرهم أن يقرنوهم بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) في صلاتهم عليه ، وفرض عليهم محبتهم وولايتهم ومودتهم في قوله تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى . والمودة أعلى درجات الطاعة لأنها أصفى الحب