وقوله : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ « طه : 114 » فحثٌّ على التثبت في السماع وعلى ترك الاستعجال في تلقيه وتلقُّنِه .
. ملاحظات .
1 . اتفق اللغويون على أن أصل الوحي الكتابة ، قال الخليل » 3 / 320 « : » يقال : وحي يحي وحياً ، أي : كتب يكتب كتباً « . وقال الجوهري » 6 / 2519 « : » الوحي : الكتاب ، وجمعه وُحَى ، مثل حُلِيّ وحُلَى « وقال ابن فارس : » 6 / 93 « : » أصل يدل على إلقاء علم في إخفاء ، أو غيره إلى غيرك . فالوحي الإشارة . والوحي الكتاب والرسالة . وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى عَلِمَه فهو وحي كيف كان « .
فالكتابة كما تلاحظ عنصر ثابت في الوحي ، وهو يشمل عناصر أخرى منها الإشارة كما ذكر ابن فارس . وقد أخذ الراغب هذا العنصر وجعله أصل المادة وأهمل الباقي ، وهذا تضييع لمعنى الكلمة .
وحاول ابن منظور أن يجمع بين عناصر المادة فقال » 15 / 379 « : » الوَحْيُ : الإِشارة والكتابة والرِّسالة والإِلْهام والكلام الخَفِيُّ ، وكلُّ ما أَلقيته إِلى غيرك . يقال : وحَيْتُ إِليه الكلامَ وأَوْحَيْتُ . ووَحَى وَحْياً وأَوْحَى أَيضاً أَي كتب « .
فأصل الوحي الكتابة ، ثم استعملوه لكل إلقاء خفي إلى شخص ، بالإشارة أو الكلام أو الكتابة ، وغيرها من الوسائل .
2 . ذكر الله في القرآن ثلاثة أنواع من الوحي في قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِي حَكِيمٌ . وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ .
فالأول : الوحي المباشر الذي سماه الله وحياً مجرداً .
والثاني : التكليم من وراء حجاب ، وقد ورد أن موسى ( عليه السلام ) ونبينا ( صلى الله عليه وآله ) كانا يسمعان الصوت من كل الجهات .
والثالث : أن يرسل له ملكاً فيراه ويكلمه ، وقد وصف كلام الملك بأنه وحي إلى النبي .
ولا يبعد أن يكون الوحي المباشر أبلغ أنواعه وأقواها ، ويظهر أنه أصعبها لأنه يُسَيْطَر فيه على بدن النبي وحواسه ، ويُلقى اليه الوحي وكأنه صب للمعلومات في » نفس « الرسول . وقد ورد في وصف حالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيه : » كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل . وروي أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه ، وان جبينه لينفصد عرقاً « .
» مناقب آل أبي طالب : 1 / 41 « وفي رواية لعلي ( عليه السلام ) قال » تفسيرالعياشي : 1 / 289 « : » فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة فنسخت ما قبلها ، ولم ينسخها شئ لقد نزلت عليه وهو على بغلة الشهباء ، وثقل عليه الوحي حتى وقفت وتدلى بطنها ، حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض ، وأغمي على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي ، ثم رفع ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقرأ علينا سورة المائدة « .
3 . استعمل القرآن الوحي لما يلقى بنحو خفي من خير وشر ، إلى الأبرار والفجار ، فقال تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ . وقال تعالى عن النحل : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ . وقال تعالى عن أم موسى ( عليه السلام ) : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ . وقال تعالى عن السماوات : وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا . وقال عن الأرض يوم القيامة : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا .