وقال : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَئ حَتَّى تُقِيمُوا التوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ « المائدة : 68 » أي توفون حقوقهما بالعلم والعمل ، وكذلك قوله : وَلَوْ إنهُمْ أَقامُوا التوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ « المائدة : 66 » . ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر ، ولا مدح بها حيثما مدح إلا بلفظ الإقامة ، تنبيهاً [ على ] أن المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها نحو : أَقِيمُوا الصَّلاةَ « البقرة : 43 » في غير موضع . وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ « النساء : 162 » . وقوله : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى « النساء : 142 » فإن هذا من القيام لا من الإقامة . وأما قوله : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ « إبراهيم : 40 » أي وفقني لتوفية شرائطها ، وقوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ « التوبة : 11 » فقد قيل : عنى به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها . والمُقَامُ : يقال للمصدر ، والمكان ، والزمان ، والمفعول ، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله : إنها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً « الفرقان : 66 » .
والمُقَامةُ : الإقامة ، قال : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ « فاطر : 35 » نحو : دارُ الْخُلْدِ « فصلت : 28 » وجَنَّاتِ عَدْنٍ « التوبة : 72 » . وقوله : لامُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا « الأحزاب : 13 » من قام ، أي لامستقرَّ لكم ، وقد قرئ : لامُقامَ لَكُمْ من أَقَامَ . ويعبر بالإقامة عن الدوام نحو : عَذابٌ مُقِيمٌ « هود : 39 » وقرئ : إن الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ « الدخان : 51 » أي في مكان تدوم إقامتهم فيه .
وتَقْوِيمُ الشئ : تثقيفه ، قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ « التين : 4 » وذلك إشارة إلى ما خص به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم وانتصاب القامة الدالة على استيلائه على كل ما في هذا العالم . وتَقْوِيمُ السّلعة : بيان قيمتها .
والقَوْمُ : جماعة الرجال في الأصل دون النساء ولذلك قال : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية « الحجرات : 11 » قال الشاعر : أقومٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ . وفي عامة القرآن أريدوا به والنساء جميعاً ، وحقيقته للرجال لما نبه عليه قوله : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ . الآية . « النساء : 34 » .
قَوِيَ - قوةً - أقوى - مُقْوٍ
القُوَّةُ : تستعمل تارةً في معنى القدرة ، نحو قوله تعالى : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ « البقرة : 63 » . وتارةً للتهيُّؤ الموجود في الشئ ، نحو أن يقال : النوى بالْقُوَّةِ نخل ، أي متهئٌ ومترشحٌ أن يكون منه ذلك . ويستعمل ذلك في البدن تارة ، وفي القلب أخرى ، وفي المعاون من خارج تارة ، وفي القدرة الإلهية تارة .
ففي البدن نحو قوله : وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً « فصلت : 15 » فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ « الكهف : 95 » فالقوة هاهنا قوة البدن بدلالة أنه رغب عن القوة الخارجة فقال : ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِي خَيْرٌ « الكهف : 95 » .
وفي القلب نحو قوله : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ « مريم : 12 » أي بقوّة قلب .
وفي المعاون من خارج نحو قوله : لَوْأن لِي بِكُمْ قُوَّةً « هود : 80 » قيل : معناه : من أَتَقَوَّى به من الجند ، وما أتقوى به من المال ، ونحو قوله : قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ « النمل : 33 » .
وفي القدرة الإلهية نحو قوله : إن الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ « المجادلة : 21 » وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً « الأحزاب : 25 » وقوله : إن الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ « الذاريات : 58 » فعامٌّ فيما اختص الله تعالى به من القدرة وما جعله للخلق .
وقوله : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ « هود : 52 » فقد ضمن تعالى أن يعطي كل واحد منهم من أنواع الْقُوَى قدر ما يستحقه .