« الأنبياء : 87 » فقد قيل : الأولى أن يكون من الظَّنِّ الذي هو التوهم ، أي ظَنَّ أن لن نضيق عليه .
وقوله : وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحق وَظَنُّوا أنهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ « القصص : 39 » فإنه استعمل فيه إن المستعمل مع الظَّنِّ الذي هو للعلم ، تنبيهاً [ على ] أنهم اعتقدوا ذلك اعتقادهم للشئ المتيقن ، وإن لم يكن ذلك متيقناً .
وقوله : يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحق ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ « آل عمران : 154 » أي يَظُنُّونَ أن النبي لم يَصْدُقْهُمْ فيما أخبرهم به كما ظَنَّ الجاهلية ، تنبيهاً [ على ] أن هؤلاء المنافقين هم في حَيِّز الكفار .
وقوله : وَظَنُّوا أنهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ « الحشر : 2 » أي اعتقدوا اعتقاداً كانوا منه في حكم المتيقنين وعلى هذا قوله : وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أن الله لايَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ « فصلت : 22 » وقوله : الظَّانينَ بِالله ظَنَّ السَّوْءِ « الفتح : 6 » هو مفسرٌ بما بعده وهو قوله : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ « الفتح : 12 » إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا « الجاثية : 32 » .
والظَّنُّ في كثير من الأمور مذموم ، ولذلك قال تعالى : وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا « يونس : 36 » وَإن الظَّنَ « النجم : 28 » وَأنهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ « الجن : 7 » . وقرئ : وما هو على الغيب بِظَنِينٍ ، أي بمتَّهم .
. ملاحظات .
1 . عرَّفَ الراغب الظن بأنه ما يحصل عن أمارة ، لكن منشأ الظن قد يكون أمارة أو غيرها ! وكذلك ميزان قوة الظن وضعفه قد يكون الأمارة ، أو عوامل ذهنية أو نفسية . الخ .
وجعل الراغب علامة ظن العلم استعمال أن المشددة بعده ، قال : « ومتى قوي أو تُصُوِّرَ تَصَوُّرَ القوي استعمل معه أن المشددة . ومتى ضعف استعمل أن المختصة بالمعدومين من القول والفعل » .
ونقل الزركشي عن الراغب قوله في البرهان « 4 / 157 » : « الظن أعم ألفاظ الشك واليقين ، وهو اسم لما حصل عن أمارة ، فمتى قويت أدت إلى العلم ، ومتى ضعفت جداً لم تتجاوز حد الوهم ، وإنه متى قويَ استعمل فيه أن المشددة وأن المخففة منها ، ومتى ضعف استعمل معه أن المختصة بالمعدومين من الفعل ، نحو ظننت أن أخرج وأن يخرج . فالظن إذا كان بالمعنى الأول محمود ، وإذا كان بالمعنى الثاني فمذموم » .
لكنه كلامٌ ضعيف لغموض معنى الأعمية فيه . كما أن قصده بأن المعدومة التي لا يقع ما بعدها مثل : ظننت أن أخرج . لكن قد تقول بعده ثم خرجت . والمعروف في تعريف الظن عند الأصوليين : أنه الإعتقاد الراجح مع احتمال النقيض .
2 . يستعمل الظن أحياناً بمعنى العلم ، فقد روى الصدوق في التوحيد / 267 ، عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في جواب من تخيل تناقض القرآن ، قال ( عليه السلام ) : « وأما قوله : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا ، يعني أيقنوا أنهم داخلوها ، وكذلك قوله : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ، يقول إني أيقنت أني أبعث فأحاسب ، وكذلك قوله : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ . وأما قوله للمنافقين : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ، فهذا الظن ظن شك وليس ظن يقين ، والظن ظنان : ظن شك وظن يقين ، فما كان من أمر معادٍ من الظن فهو ظن يقين ، وما كان من أمر الدنيا : فهو ظن شك ، فافهم ما فسرت لك . قال : فَرَّجْت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك » .
فالظن في القرآن إذا كان متعلقاً بأمر المعاد فهو يقين ،