تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 ) — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
هذه الآية ردٌّ على ثلاثة أصناف منهم » المشركين « لما قال : الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ، فكان رداً على الدهرية الذين قالوا : إن الأشياء لا بَدْوَ لها وهي دائمة . ثم قال : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ، فكان رداً على الثنوية الذين قالوا إن النور والظلمة هما مُدَبِّران . ثم قال : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ، فكان رداً على مشركي العرب الذين قالوا إن أوثاننا آلهة . ثم نَزَّل الله : قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدٌ . فكان رداً على من ادعى من دون الله ضداً أو نداً « . ويدل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، على أن الليل خُلق قبل النهار ، ويدل : يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ، على أن الليل يطلب النهار ويركض خلفه ، لكن لم أجد تفسيراً لسلخ النهار من الليل في قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ . 2 . لا يصح تعريفه للظلم بأنه : وضع الشئ في غير موضعه ، لأنه تعريف بالأعم ، فإن وضعك شيئاً في غير موضعه لا يكون دائماً ظلماً ، وقد ورد ذلك في تعريف الغضب والجهل والحمق وغيرها . فعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) » النهج : 4 / 52 « قيل له : » صف لنا العاقل فقال : هو الذي يضع الشئ مواضعه ، فقيل فصف لنا الجاهل ، فقال : قد فعلت « . 3 . يدل قوله تعالى : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ، على أن الأرض قد تمنع نمو البذرة والشجرة والثمار بكل استعدادها ، وذلك ظلمٌ من الأرض لما يزرع فيها ، وهذا توسيع لمفهوم الظلم ، يدل على أنه يشمل منع ظهور استعداد الناس وظهور طاقاتهم الفردية والاجتماعية ، فتربية الوالدين والمدرسة وأنظمة المجتمع والدولة وقوانينها ، قد تكون ظالمة ، من حيث يشعر أصحابها أو لا يشعرون ! 4 . يدل قوله تعالى : قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ، على أن طلبك الشئ قد يكون ظلماً للآخر ، ولعله من أقل أنواع الظلم ! 5 . يدل قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ . على أن الظالم لنفسه قد يكون من عباد الله المصطفيْن . 6 . استعمل القرآن ظلم وظلمه وظلم به وظلم فيه ، قال تعالى : مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا . بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ . 7 . الظلم من طبيعة الإنسان لأنه يشعر أنه بحاجة اليه ، قال تعالى : إِنَّ الآنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ . إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً . بينما يستحيل على الله تعالى الظلم لأنه لا يحتاج اليه : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ . إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . وفي دعاء الإمام الباقر ( عليه السلام ) : » الفقيه : 1 / 491 « : » وقد علمتُ أن ليس في حكمك ظلمٌ ، ولا في نقمتك عجلة ، إنما يعجل من يخاف الفوت ، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف ، وقد تعاليت عن ذلك يا إلهي « . 8 . رخص الله للمظلوم ذم ظالمه والجهر بالسوء ، فقال : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ . ويشير قوله تعالى : يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، على وجود نوع من الظلم والبغي بحق . 9 . للظلم تقسيمات ، منها ما ذكره الراغب : ظلم بين الإنسان وربه ، وبينه وبين نفسه ، وبينه وبين الناس . وقسمه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) » نهج البلاغة : 2 / 95 « بتقسيم آخر ، قال : » ألا وإن الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب . فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك