وعلى هذا نبَّه بقوله : إنما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « فاطر : 28 » وهؤلاء هم المعنيون بقوله : وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ « النساء : 69 » .
وأما الشَّهِيدُ : فقد يقال لِلشَّاهِدِ ، والمُشَاهِدِ للشئ ، وقوله : مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ « ق : 21 » أي من شهد له وعليه ، وكذا قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كل أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً « النساء : 41 » .
وقوله : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « ق : 37 » أي يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضد من قيل فيهم : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ « فصلت : 44 » .
وقوله : أَقِمِ الصَّلاةَ ، إلى قوله : مَشْهُوداً ، أي يشهد صاحبه الشفاء والرحمة والتوفيق والسكينات والأرواح المذكورة في قوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ « الإسراء : 82 » . وقوله : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ « البقرة : 23 » فقد فسَّر بكل ما يقتضيه معنى الشهادة ، قال ابن عباس : معناه أعوانكم ، وقال مجاهد : الذين يشهدون لكم ، وقال بعضهم : الذين يعتدُّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم :
مخلَّفونَ ويقضي الله أمْرَهُمُ وهمْ بغَيْبٍ وفي عَمْيَاءَ مَا شَعَرُوا
وقد حمل على هذه الوجوه قوله : وَنَزَعْنا مِنْ كل أُمَّةٍ شَهِيداً « القصص : 75 » وقوله : وَإنهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ « العاديات : 7 » إنهُ عَلى كل شَئ شَهِيدٌ « فصلت : 53 » وَكَفى بِالله شَهِيداً « النساء : 79 » فإشارة إلى قوله : لا يَخْفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَئ « غافر : 16 » . وقوله : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى « طه : 7 » ونحو ذلك مما نبه على هذا النحو .
والشَّهِيدُ : هو المحتضرفتسميته بذلك لحضور الملائكة إياه ، إشارة إلى ما قال : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا . . الآية « فصلت : 30 » قال : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ « الحديد : 19 » . أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعد لهم من النعيم ، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ « آل عمران : 169 » . وعلى هذا دل قوله : وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ . وقوله : وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ « البروج : 3 » قيل : الْمَشْهُودُ يوم الجمعة ، وقيل : يوم عرفة ، ويوم القيامة . وشَاهِدٌ : كل من شهده . وقوله : يَوْمٌ مَشْهُودٌ « هود : 103 » أي مُشَاهَد تنبيهاً [ على ] أن لا بد من وقوعه .
والتشَهُّدُ : هو أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله . وصار في التعارف إسماً للتحيات المقروءة في الصلاة ، وللذكر الذي يقرأ ذلك فيه .
. ملاحظات .
المعنى المتبادر لشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله تعالى ، إدراكهم لها بيقين وشهادتهم بها . لكن الراغب جعلها شهادةً عن حِسٍّ ، لأن الله أشهدهم خلق السماوات والأرض ! قال : « وهذه الشهادة تختص بأهل العلم ، فأما الجهال فمبعدون منها ، ولذلك قال في الكفار : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . ففسر أشهدتهم بأحضرتهم ، على مذهب المتصوفة الذين قالوا إن قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ . يعني أن الله أشهد الملائكة وأولي العلم خلق السماوات ، وفسروا أولي العلم بأنفسهم ! وجعلوا نفيه تعالى إشهاد إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ، إثباتاً لإشهادهم غيرهم . ولو صح أنه تعالى أشهد أحداً من خلقه لكان محمداً وعترته ( صلى الله عليه وآله ) فهم أفضل خلقه . وبحث ذلك خارج عن موضوعنا .
كما لا يصح حصره معنى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ، بأنهم