. ملاحظات .
ذكر الله الجوع في خمس آيات ، منها قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئٍْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ . . فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ . وقول الراغب : « جائع وجوعان : إذا كثر جوعه » وفيه خطآن : أولهما ، أنه يقصد بكثر جوعه اشتد جوعه ، لأن كثر جوعه قد تكون بمعنى كثرت مرات جوعه . والخطأ الثاني : أنه اشترط في صدق الجائع أو الجوعان شدة الجوع ، ولم يشترطه أحد ! مضافاً إلى خطئه في اشتراط الألم في تعريف الجوع . وقد يكون بالإحساس به بدون ألم ، بل قد يكون جوعاً بدون إحساس به .
جَاءَ - مجيئاً - جيئةً - أجاءَ
جاء يجئ جىئةً ومَجِيئاً ، والمجئ كالإتيان ، لكن المجئ أعم لأن الإتيان مجئ بسهولة ، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن منه الحصول . والمجئ يقال اعتباراً بالحصول .
ويقال : جاء في الأعيان والمعاني ، ولما يكون مجيئه بذاته وبأمره ، ولمن قصد مكاناً أو عملاً أو زماناً ، قال الله عز وجل : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى « يس : 20 » وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ « غافر : 34 » وَلما جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِئ بِهِمْ « هود : 77 » فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ « الأحزاب : 19 » إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ « يونس : 49 » بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي « الزمر : 59 » فَقَدْ جاؤُا ظُلْماً وَزُوراً « الفرقان : 4 » أي قصدوا الكلام وتعدوه ، فاستعمل فيه المجئ كما استعمل فيه القصد ، قال تعالى : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ « الأحزاب : 10 » وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا « الفجر : 22 » فهذا بالأمر لا بالذات ، وهو قول ابن عباس ، وكذا قوله تعالى : فَلما جاءَهُمُ الْحق « يونس : 76 » يقال : جاءه بكذا وأجاءه ، قال الله تعالى : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ « مريم : 23 » قيل : ألجأها ، وإنما هو معدى عن جاء ، وعلى هذا قولهم : شرُّ ما أجاءك إلى مخُّه عرقوب ، وقول الشاعر :
أجاءته المخافةُ والرجاءُ .
وجاء بكذا : استحضره ، نحو : لَوْلا جاؤُا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ « النور : 13 » وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ « النمل : 22 » . وجاء بكذا يختلف معناه بحسب اختلاف المجئ به .
. ملاحظات .
1 . ذكرنا في مادة أتى أن المجيئ والإتيان لا يدلان على سهولة ولا صعوبة ، ويصح إطلاقهما على ما يجئ ويأتي بأي كيفية . وقد تتبعت كلمات اللغويين ، ومواردهما في القرآن فلم أجد ما تخيله الراغب ! فأين السهولة في قوله تعالى : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ . أو في قوله تعالى : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ . فَإِذَا جَاءَتِ الطامَّةُ الْكُبْرَى . جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ . فالصحيح أن أتى وجاء للأعم ، والسهولة والصعوبة قد تفهمان من الشئ الآتي ، أو من قرائن أخرى .
2 . كذلك لا يصح قوله : « والإتيان قد يقال باعتبار القصد ، وإن لم يكن منه الحصول . والمجئ يقال اعتباراً بالحصول » . فإن المجئ والإتيان يصحان سواء وصل إلى المقصد أم لم يصل ، فيقال جاء وأتى إلى بيت فلان ولم يصل . وكذا الأمر في الأشياء والمعاني .
3 . قال الجوهري « 1 / 42 » : « المجئ : الإتيان . يقال جاء يجئ جيئةً . وأجأته ، أي جئت به . وجاءاني على فاعلني فجئتُه أجيؤه ، أي غالبني بكثرة المجئ فغلبته . وتقول : الحمد لله الذي جاء بك ، أي الحمد لله إذ جئت ، ولا تقل : الحمد لله الذي جئت . وأجأته إلى كذا بمعنى ألجأته واضطررته إليه » .