وبانَ الصبح : ظهر ، وقوله تعالى : لَقَدْ تَقَطعَ بَيْنَكُمْ . « الأنعام : 194 » أي وَصْلُكُمْ . وتحقيقه : أنه ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها ، إشارة إلى قوله سبحانه : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ . « الشعراء : 88 » . وعلى ذلك قوله : لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى الآية . « الأنعام : 94 » .
وبَيْنَ : يستعمل تارة إسماً وتارةً ظرفاً ، فمن قرأ : بينُكم جعله إسماً ، ومن قرأ : بَيْنَكُمْ جعله ظرفاً غير متمكن وتركه مفتوحاً . فمن الظرف قوله : لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ . « الحجرات : 1 » وقوله : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً . « المجادلة : 12 » فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحق . « صاد : 22 »
وقوله تعالى : فَلما بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما « الكهف : 61 » فيجوز أن يكون مصدراً ، أي موضع المفترق .
وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ . « النساء : 92 » ولا يستعمل بين إلا فيما كان له مسافة ، نحو : بين البلدين ، أو له عددٌ مّا ، اثنان فصاعداً نحو : الرجلين ، وبين القوم . ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كُرِّر نحو : وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ « فصلت : 5 » فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً . « طه : 58 »
ويقال : هذا الشئ بين يديك ، أي متقدماً لك . ويقال : هو بين يديك ، أي قريب منك . وعلى هذا قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ . « الأعراف : 17 » ولَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا . « مريم : 64 » وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا « يس : 9 » مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوْراةِ . « المائدة : 46 » أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا . « صاد : 8 » أي من جملتنا .
وقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ . « سبأ : 31 » أي متقدِّماً له من الإنجيل ونحوه . وقوله : فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ . « الأنفال : 1 » أي راعوا الأحوال التي تجمعكم ، من القرابة والوصلة والمودة . ويزاد في بين ما أو الألف ، فيجعل بمنزلة حين ، نحو : بَيْنَمَا زيد يفعل كذا ، وبَيْنَا يفعل كذا ، قال الشاعر :
بينَا يُعَنِّقُه الكُمَاةُ ورَوْغُهُ * يوماً أتيحَ له جَرئٌ سَلْفَعُ
. ملاحظات .
عَرَّفَ الراغب بَيْنَ ، بأنها للوسط بين الشيئين ، والصحيح أنها استعملت في القرآن للوسط بين شيئين وغيره ، قال تعالى : وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ . وقوله تعالى : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ . تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ . وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا . مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ .
واستعملت لما تقدم زمنياً على الشئ ، كقوله تعالى : مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .
أو تقدماً مكانياً كقوله تعالى : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ .
كما استعملت بمعان لا علاقة لها بالوسطية والزمان والمكان ، كقوله تعالى : وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ . أي يعمل بأمره . كما يمكن النقاش في دلالتها على الوسطية في عدد من الآيات .
قال الخليل « 8 / 381 » : « البينونة : مصدر بانَ يَبين بَيْناً وبَينونةً ، أي قَطَع . والبينُ : الفُرْقة ، والاسم : البَيْنُ أيضاً . والبين : الوصل ، قال عز من قائل : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ . أي وصلكم » .
وقال ابن منظور « 13 / 61 » : « البَيْنُ في كلام العرب جاء على