تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وهذا الاحتمال وإن كان أقرب من الاحتمال الأوّل ، لكنّه أيضاً على خلاف الارتكاز الفقهائي والعقلائي ؛ إذ لو حسبنا ما هو المركوز في الأذهان الفقهائيّة والعقلائيّة لرأينا أنّه لا يمكن أن يفسّر على أساس هذا الاحتمال ، وذلك : أوّلًا : لا إشكال في أنّ المركوز في هذه الأذهان أنّ الجعالة ليست تمليكاً مجّانيّاً وهبةً مشروطة ومعلَّقة ، ولهذا يسمّى الدرهم : « جُعلًا على العمل » ، وهذا معناه أنّه اخذ في معنى الجعالة التعويض بمعنىً من المعاني . ثانياً : لا إشكال - بحسب النصّ والفتوى فقهائيّاً ، وبحسب الارتكاز عقلائيّاً - في أنّه إذا تبيّن بطلان الجعالة لسبب من الأسباب ، يُرجع إلى أجرة المثل ، كما صرّح بذلك الفقهاء « 1 » ، ولا موجب لضمان أجرة المثل لو لم يكن هنا طعم المعاوضة ، وإنّما كان مجرّد تمليك مجّاني تبيّن بطلانه ، من دون أن يكون العامل قد أقدم على العمل بعنوان المعاوضة حتّى يقال : لو لم يسلّم له المسمّى ثبتت له قيمة المثل والبدل الواقعي بقواعد الضمان . ثالثاً : من المصرّح به والمتسالم عليه فقهائيّاً - وهو على طبق الارتكاز العقلائي أيضاً - أنّه إذا جعل جُعلين مختلفين ؛ فقال أوّلًا : « لك عليّ درهم لو وجدت لي ضالّتي » ، ثمّ قال [ ثانياً ] : « لك عليّ دينار لو وجدت لي ضالّتي » ، كانت الجعالة الثانية ناسخةً للجعالة الأولى . وهذا معناه وجود نوعٍ من المنافاة والمعارضة بالارتكاز بين الجعالتين ، فتكون الثانية ناسخةً للُاولى . ولو كانت مجرّد هبةٍ مشروطة فأيّ منافاةٍ بين الهبتين ؟ ! ولماذا لا تصحّ كلتاها
هامش
( 1 ) وهذه قاعدة كلّيّة طبّقت على الجعل ( المناهل : 613 ) ، وراجع : مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام 11 : 154 ؛ كفاية الأحكام 2 : 513 ؛ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 35 : 193