تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
كان عمل الصيارفة منذ البدء أن يقضوا حاجة الناس في تبديل عُملةٍ بأخرى ، وكانوا يرتزقون عن هذا الطريق ، فكان لا بدّ لهم من ادّخار مقدار من النقود بعملات مختلفة ، وهو ما يحتاج إلى صناديق حديديّة وأقفال حديديّة محكمة تدّخر فيها الأموال لكي تسلم من سرقة السرّاق ، في وقت لم يكن النظام الأوروبي فيه مترقّياً إلى درجة يمنع معها من كثرة السرقة ، فهيّئوا صناديق وأقفالًا حديديّة بهذا الصدد . ثمّ أصبح الإقطاعيّون المتموّلون يفكّرون في إيداع أموالهم عند هؤلاء الصيارفة ؛ لأنّهم يملكون مكاناً مأموناً لحفظ هذا الأموال ، فبدأوا يودعون الأموال عندهم لكي تحفظ في صناديقهم بدلًا عمّا كان يُصنع بها سابقاً ، من دسّها في جوف الأرض أو الحائط . وكان الصيارفة يأخذون اجرةً على هذا الحفظ ، تختلف - قلّةً وكثرة - بحسب اختلاف المال المستودع . ثمّ رأى الصيرفي - بحسب تجاربه - أنّ ما يودع عنده لا يُسترجع منه أزيد من العُشر عادةً على سبيل البدل ، بل قد يكون ما يُسترجع أقلّ ، إلى أن يصل إلى نسبة الواحد في المائة ، وذلك عندما لا توجد حروب بين الإقطاعيّين تكلّفهم سحب شيء من أموالهم من عند الصيارفة وصرفها ، فأخذ الصيرفي يُقرض تسعة أعشار الودائع إلى التجّار مع أخذ الفائدة لنفسه ، بالرغم من أنّه لا يملك من تلك الودائع شروى نقير ، وسعر الفائدة يختلف حسب قانون العرض والطلب كما هي الحال في سائر السلع . ثمّ رأى هذا الصيرفي أنّ التجّار يقترضون منه ، وبدلًا من أن يسحبوا ما اقترضوه يأخذون سنداتٍ ويتعاملون بها عن طريق الحوالة على الصيرفي ، ولا يسحبون ما اقترضوه إلّانادراً ، حيث يحتاجون أحياناً إلى استهلاك عين المال لمصرف الزواج ونحوه ، فأخذ يقرض قدراً أكبر ممّا عنده بعشر مرّات .