المسألة الثامنة
ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في قوله
تعالى : * ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) * ( 5 ) المائدة : 6 ) من أن المراد به الغسل ،
وهو في غاية البعد ( 1 ) لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك
بين الرؤوس والأرجل في المسح من غير ضرورة .
فإن قيل : العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية ، وذلك موجب
للتشريك في الغسل ، وبيان ذلك من وجهين :
الأول : قوله تعالى : * ( إلى الكعبين ) * قدر المأمور به إلى الكعبين كما قدر غسل اليدين
إلى المرفقين ، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح الرأس .
الثاني : ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى : * ( وأرجلكم ) * ( 5 ) المائدة : 6 ) وذلك يدل
على العطف على الأيدي دون الرؤوس .
وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة ، فإنها موجبة لاستتباع المجاور ،
ومنه قول امرئ القيس :
كأن ثبيرا في عرانين ويله * كبير أناس في بجاد مزمل
كسر ( مزمل ) استتباعا لما قبله ، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف ( كبير )
إن سلمنا أن الأرجل معطوفة على الرؤوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك
بين المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه ، بل في أصله ، كما
سبق تقريره ، وذلك مما قد وقع الاشتراك فيه ، فإن الغسل والمسح قد اشتركا في
أن كل واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء ، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل
وذلك كاف في صحة العطف ، ودليله قول الشاعر :
ولقد رأيتك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا
عطف الرمح على التقلد بالسيف ، وإن كان الرمح لا يتقلد وإنما يعتقل به ،
لاشتراكهما في أصل الحمل .
هامش
1 - انظر ما ذكره ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما لقوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم
وأرجلكم ) وكلام شارع الطحاوية عند ذكر الأدلة مشروعية المسح على الخفين .