الضرب العنيف ، فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما
يفيد رفع حكم الآخر ، ومنع منه تارة ، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري
مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين . فإذا أبيح ضربهما كان
ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف .
والمختار في ذلك أن يقال : إثبات تحريم الضرب في محل السكوت
إما أن يقال إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق ، أو أنه ثابت
بدلالة اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه .
فإن كان الأول : فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الأصل يوجب رفع حكم
الفرع ، لاستحالة بقاء الفرع دون أصله ، وإن لم يسم ذلك نسخا ، لما سبق . وإن
رفع حكم الفرع لا يوجب رفع حكم الأصل ، إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع
وإن كان الثاني ، فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح
اللفظ ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى ، وهما دلالتان مختلفتان ، غير أن دلالة
الفحوى تابعة لدلالة المنطوق . وعند ذلك ، أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى
الدلالتين لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الأخرى .
فإن قيل : فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق ، فرفع الأصل مما
يمتنع معه بقاء التابع .
وأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين ، فرفع حكم الفحوى
مما يخل بالغرض من دلالة المنطوق ، فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق .
قلنا : أما الأول فمندفع ، وذلك لان دلالة الفحوى ، وإن كانت تابعة لدلالة
المنطوق ، فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته ، بل نسخا لحكمه ، ودلالة الفحوى
تابعة لدلالة المنطوق على حكمه ، لا أنها تابعة لحكمه ، ودلالته باقية بعد نسخ حكمه
كما كانت قبل نسخه ، فما هو أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع ، وما هو المرتفع
ليس أصلا للفحوى .
وأما الثاني ، فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات
الحكم فيه ، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه
بالذكر ، تنبيها بالأدنى على الاعلى ، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال الغرض الآخر .
الاحكام — صفحة 166
مساهمون: الآمدي
ص١٦٦