المسألة السادسة عشرة
اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس ، هل يبقى معه حكم الفرع أو لا ؟
فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه ، والباقون إلى امتناعه ، وهو المختار ، لان
ثبوت الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الأصل ، فإذا نسخ حكم الأصل خرجت
العلة المستنبطة منه عن أن تكون معتبرة في نظر الشارع ، فبطل ما كان تابعا لاعتبارها .
فإن قيل : يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الأصل ،
حيث جعلتم رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الأصل ، والنسخ بالقياس غير جائز
على ما قررتموه ، ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع ، متى يلزم ذلك ، إذا
كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه ، أو إذا لم يفتقر ؟
الأول مسلم ، والثاني ممنوع ، فلم قلتم بافتقاره إليه ؟ وإن سلمنا ذلك ، ولكن ما ذكرتموه
منتقض بالأب ، فإنه يتبعه ولده الطفل في الاسلام والكفر ، ولو زال إسلام الأب
بالردة ، لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الاسلام تبعا له .
قلنا : جواب الأول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس
على رفع حكم الأصل ، وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما ، وليس كذلك . وإنما
قيل برفعه لانتفاء علته ، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين انتفائه بالقياس .
وجواب الثاني أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو المطلوب ،
وإن لم يقل بذلك ، فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم في دوامه
إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه انه لا بد من دوام
احتمال الحكمة ، حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا ، امتنع بقاؤه بعدها ،
وإذا لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة ، فلا بد من أن تكون معتبرة لاستحالة بقاء
الحكم لحكمة غير معتبرة ، وبنسخ حكم الأصل زال اعتبارها ، وانتفاء ما لا بد منه
في دوام الحكم يوجب رفع الحكم .
وعلى هذا فقد اندفع النقض ، فإنا لا نسلم أن إسلام الأب علة موجبة لاسلام
الابن ، حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن ، ولا أن دوام إسلام الأب
معتبر في دوام إسلام الابن ، ليلزم من انتفاؤه
الاحكام — صفحة 167
مساهمون: الآمدي
ص١٦٧