أجل التعرّف على الحكم الشرعي توفيراً للوقت وتوزيعاً للجهد الإنساني على كلّ حقول الحياة . كما لم يأذن الله سبحانه وتعالى لغير المتخصّص المجتهد بأن يحاول التعرّف المباشر على الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة ويعتمد على محاولته ، بل أوجب عليه أن يكون التعرّف على الحكم عن طريق التقليد والاعتماد على العلماء المجتهدين ، وبهذا كان التقليد أمراً واجباً مفروضاً في الدين .
والتقليد على هذا الأساس يعني تحميل المسؤولية ، وإنّما سمّي تقليداً لأنّ المكلّف يضع عمله كالقلادة في رقبة المجتهد الذي يقلّده ؛ تعبيراً رمزياً عن تحميله مسؤولية هذا العمل أمام الله سبحانه وتعالى ، وليس التقليد هو التعصّب والاعتقاد بما يعتقده الآخرون جهلا وبدون دليل .
ففرقٌ بين أن يبدي شخص رأياً فتُسارِعُ إلى اليقين بذلك الرأي بدون أن تعرف دليلا عليه وتؤكّد صحته ؛ وبين أن يبدي شخص رأياً فتتّبعه محمّلا له مسؤولية هذا الرأي بحكم كونه من ذوي الاختصاص والمعرفة ؛ فالأول هو التقليد المذموم شرعاً وعقلا ، والثاني هو التقليد الصحيح الذي جرت عليه سنّة الحياة شرعاً وعقلا .
وقد احتاطت الشريعة للتقليد احتياطاً كبيراً ، ففرضت على المكلّف أن يقلّد أعلم المتخصّصين في حالة اختلاف آرائهم ، وأن لا يقلّد إلّا من كان عادلا لايميل عن الشرع إلى هواه خطوةً في كبيرة أو صغيرة ؛ لكي يضمن المقلّد بذلك أكبر درجة ممكنة من الصواب في رأي مرجعه الديني ، وأمرته في اللحظة التي يجد فيها الأكفأ والأعلم من مقلّده السابق أن يعدل إليه . كلّ ذلك للابتعاد بالتقليد من معنى المتابعة العمياء والتعصّب المذموم .
وعلى ذلك جرت سنّة المؤمنين والمسلمين منذ عصر الأئمّة ( عليهم السلام ) إلى
الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البيت ( ع ) ( تراث الشهيد الصدر ج 16 ) — صفحة 102
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص١٠٢