المسألة الثانية
الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن يكون فسقه مظنونا ، أو
مقطوعا به فإن كان مظنونا ، كفسق الحنفي إذا شرب النبيذ ، فالأظهر قبول
روايته وشهادته . وقد قال الشافعي ، رضي الله عنه : إذا شرب الحنفي النبيذ
أحده وأقبل شهادته .
وإن كان فسقه مقطوعا به ،
فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به ، أو لا يكون كذلك :
فإن كان الأول ، فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته ، كالخطابية من
الرافضة ، لأنهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب .
وإن كان الثاني ، كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار ، وقتلوا الأطفال
والنسوان ، فهو موضع الخلاف .
فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة . وهو
اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين .
وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الأصوليين إلى امتناع
قبول شهادته وروايته . وهو المختار .
وقد احتج النافون بحجة ضعيفة .
وذلك أنهم قالوا : أجمعنا على أن الفاسق المفروض ، لو كان عالما بفسقه ، لم يقبل
خبره . فإذا كان جاهلا بفسقه ، معتقدا أنه ليس بفاسق ، فقد انضم إلى فسقه فسق
آخر وخطيئة أخرى ، وهو اعتقاده في الفسق أنه ليس بفسق ، فكان أولى أن لا يقبل خبره .
ولقائل أن يقول : إذا لم يعتقد أنه فاسق ، وكان متحرجا محترزا في دينه عن الكذب
وارتكاب المعصية ، فكان إخباره مغلبا على الظن صدقه ، بخلاف ما إذا علم أن ما يأتي
به فسقا فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية ، وعدم تحرزه عن الكذب فافترقا .
والمعتمد في ذلك النص والمعقول .
أما النص ، فقوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا ) * ( 49 ) الحجرات : 6 ) أمر برد نبأ الفاسق .
الاحكام — صفحة 83
مساهمون: الآمدي
ص٨٣