التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد ، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد والعمل
به ، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم ، مع احتمال
كونه كاذبا ، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة ، وهو
خلاف وضع الشرع . ولهذا ، امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي ، فيما
يتعلق بالأحكام الشرعية إجماعا .
وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين ، فالفرق بين الشهادة والخبر
من ثلاثة أوجه :
الأول : أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح ، ولا كذلك الخبر عن الله
تعالى والرسول . فكانت المفسدة في الشهادة أبعد .
الثاني : أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة .
الثالث : هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الاجماع
والشهادة شرط ، لا مثبت ، بخلاف خبر الواحد ، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم الشرعي .
ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض
بما يدل على نقيضه . وبيانه من جهة المنقول ، والمعقول .
أما المنقول ، فقوله تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ( 17 ) الاسراء : 36 ) وقوله تعالى : * ( وأن تقولوا
على الله ما لا تعلمون ) * ( 2 ) البقرة : 169 ) وقوله تعالى : * ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * ( 10 ) يونس : 36 ) .
وأما المعقول ، فمن أربعة أوجه :
الأول : أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن
الرسول عند ظننا بصدقه ، لاحتمال كونه مصلحة ، لجاز ورود التعبد بقبول خبر
الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية ، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله محال
الثاني : أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع ، لجاز ورود التعبد به في
الاحكام — صفحة 46
مساهمون: الآمدي
ص٤٦