إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الأول ، وصار معنى الشرط الداخل المكرم ، ومعنى
الصفة الداخل العالم ، ومعنى الاستثناء الداخل ممن ليس من بني تميم فكان اللفظ
والمعنى مختلفا ، وكل واحد من اللفظين حقيقة في معناه ، وصار هذا بمنزلة قول
القائل مسلم فإنه له معنى ، فإذا زاد فيه الألف واللام فقال المسلم أو زاد
فيه الواو والنون فقال مسلمون فإن اللفظ بإلحاق الزيادة فيه صار دالا على
معنى زائد بجهة الحقيقة ، لا بجهة التجوز ، فكذلك فيما نحن فيه .
وعلى هذا نقول إن قوله تعالى : * ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) * ( 29 ) العنكبوت : 14 ) إن
مجموع هذا القول دل على المستبقى بجهة الحقيقة ، وهو قائم مقام قوله فلبث
فيهم تسعمائة وخمسين عاما .
هذا كله فيما إذا كان الاستثناء والمستثنى في كلام متكلم واحد ، وأما لو قال
الله تعالى : * ( اقتلوا المشركين ) * ( 9 ) التوبة : 5 ) فقال الرسول عقيبه إلا زيدا فهذا مما اختلف فيه
أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا ، أم لا . فمن قال بكونه متصلا ،
نظر إلى أن كلام النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لا يكون في تشريع الاحكام يغير الوحي ، فكان
في البيان كما لو كان ذلك بكلام الله تعالى .
ومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل ، دون المتصل ، ولهذا ، فإنه لو قال
الباري تعالى زيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم قام لا يكون خبرا صادرا من الله تعالى ،
لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد ، ولعل هذا هو الأظهر .
سلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط ، وذلك لأنه إذا قال
أكرم بني تميم إن دخلوا داري فإن الشرط لم يخرج شيئا مما تناوله اللفظ من
أعيان الأشخاص ، بل هو باق بحاله . وإنما أخرج حالا من الأحوال ، وهي حالة
عدم دخول الدار ، بخلاف الاستثناء وغيره ، فلا يكون مجازا .
سلمنا التجوز مطلقا ، لكن متى إذا كان المستبقى جمعا غير منحصر ، أو إذا لم يكن ؟
الأول ممنوع ، والثاني مسلم .
الاحكام — صفحة 229
مساهمون: الآمدي
ص٢٢٩