تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
ميوعة إرادته وذوبانها . وإلّا فهل ننتظر من مجتمعٍ لا يملك إرادته إزاء إغواء الخمرة - مثلًا - وإغرائها ، ولا يتمتّع بقدرة الترفّع عن شهوةٍ رخيصة كهذه ، هل ننتظر من هذا المجتمع أن يضع موضع التنفيذ نظاماً صارماً يحرِّم أمثال تلك الشهوات الرخيصة ، ويربّي في الإنسان إرادته ، ويردّ اليه حرّيته ويحرّره من عبودية الشهوة وإغرائها ؟ ! كلّا طبعاً . فنحن لا نترقّب الصلابة من المجتمع الذائب وإن أدرك أضرار هذا الذوبان ومضاعفاته ، ولا نأمل من المجتمع الذي تستعبده شهوة الخمرة أن يحرِّر نفسه بإرادته مهما أحسّ بشرور الخمرة وآثارها ؛ لأنّ الإحساس إنّما يتعمّق ويتركّز لدى المجتمع إذا استرسل في ذوبانه وعبوديّته للشهوة وإشباعها ، وهو كلّما استرسل في ذلك أصبح أشدّ عجزاً عن معالجة الموقف ، والقفز بإنسانيته إلى درجاتٍ أعلى . وهذا هو السبب الذي جعل الحضارات البشرية التي صنعها الإنسان تعجز - عادةً - عن وضع نظام يقاوم في الإنسان عبوديته لشهوته ، ويرتفع به إلى مستوىً إنسانيٍّ أعلى . حتى لقد أخفقت الولايات المتحدة - وهي أعظم تعبيرٍ عن أضخم الحضارات التي صنعها الإنسان - في وضع قانون تحريم الخمرة موضع التنفيذ ؛ لأن من التناقض أن نترقّب من المجتمع الذي استسلم لشهوة الخمرة وعبوديتها أن يسنّ القوانين التي ترتفع به من الحضيض الذي اختاره لنفسه . بينما نجد أنّ النظام الاجتماعي الإسلامي - الذي جاء به الوحي - قد استطاع بطريقته الخاصّة في تربية الإنسانية ورفعها إلى أعلى أن يحرِّم الخمرة وغيرها من الشهوات الشرّيرة ، ويخلق في الإنسان الإرادة الواعية الصلبة . ولم يبقَ علينا - بعد أن أوضحنا جانباً من الفروق الجوهرية بين التجربة الاجتماعية التي يمارسها المجتمع بأسره والتجربة الطبيعية التي يمارسها المجرِّب
المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 28 | السيد محمد باقر الصدر