تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
إذا أردنا أن ننظِّم حياتنا الاجتماعية بشكلٍ يكفل تنمية المواهب العقلية والفكرية للأفراد حرصنا على أن تتوفّر في النظام تلك العوامل لجميع الأفراد ؟ وقد يذهب بعض الناشئة في التصور إلى أكثر من هذا ، فيخيّل له أنّ هذا ليس ممكناً فحسب ، بل هو ما قامت به اوروبّا الحديثة في حضارتها الغربية ، منذ رفضت الدين والأخلاق وجميع المقولات الفكرية والاجتماعية التي مارستها الإنسانية في تجاربها الاجتماعية عبر التأريخ ، واتّجهت في بناء حياتها على أساس العلم ، فقفزت في مجراها التأريخي الحديث ، وفتحت أبواب السماء ، وملكت كنوز الأرض . . . . وقبل أن نجيب على السؤال الذي أثرناه ( السؤال عن مدى إمكان إرساء الحياة الاجتماعية على أساس التجارب العلمية ) يجب أن نناقش هذا التصور الأخير للحضارة الغربية ، وهذا الاتّجاه السطحي إلى الاعتقاد : بأنّ النظام الاجتماعي الذي يمثّل الوجه الأساسي لهذه الحضارة نتيجة للعنصر العلمي فيها . فإنّ الحقيقة هي : أنّ النظام الاجتماعي الذي آمنت به اوروبّا والمبادئ الاجتماعية التي نادت بها وطبّقتها لم تكن نتيجةً لدراسةٍ علميةٍ تجريبية ، بل كانت نظريةً أكثر منها تجريبية ، ومبادئ فلسفيةً مجرّدةً أكثر منها آراء علمية مجربة ، ونتيجة لفهمٍ عقليٍّ وإيمانٍ بقيمٍ عقليةٍ محدودةٍ أكثر من كونها نتيجةً لفهمٍ استنتاجيٍّ وبحثٍ تجريبيٍّ في حاجات الإنسان وخصائصه السيكولوجية والفسيولوجية والطبيعية . فإنّ من يدرس النهضة الاوروبّية الحديثة - كما يسمّيها التاريخ الأوروبي - بفهمٍ يستطيع أن يدرك أنّ اتّجاهها العام في ميادين المادة كان يختلف عن اتّجاهها العام في الحقل الاجتماعي والمجال التنظيمي للحياة . فهي في ميادين المادة كانت علمية ، إذ قامت أفكارها عن دنيا المادة على أساس الملاحظة والتجربة ، فأفكارها عن تركيب الماء والهواء ، أو عن قانون الجذب ، أو فلق الذرّة أفكار