تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
والإسلام يختلف عن الديمقراطية الرأسمالية في هذا الموقف ؛ نتيجةً لاختلافه عنها في طبيعة القاعدة الفكرية التي يتبنّاها ، وهي : التوحيد وربط الكون بربٍّ واحد . فهو يسمح للفكر الإنساني أن ينطلق ويعلن عن نفسه ، ما لم يتمرّد على قاعدته الفكرية التي هي الأساس الحقيقي لتوفير الحرّية للإنسان في نظر الإسلام ، ومنحه شخصيّته الحرّة الكريمة التي لا تذوب أمام الشهوات ، ولا تركع بين يدي الأصنام . فكلّ من الحضارة الغربية والإسلام يسمح بالحرّية الفكرية بالدرجة التي لا ينجم عنها خطر على القاعدة الأساسية ، وبالتالي على الحرّية نفسها . ومن المعطيات الثورية للحرّية الفكرية في الإسلام : الحرب التي شنّها على التقليد وجمود الفكر ، والاستسلام العقلي للأساطير ، أو لآراء الآخرين دون وعيٍ وتمحيص . والهدف الذي يرمي اليه الإسلام من ذلك : تكوين العقل الاستدلالي أو البرهاني عند الإنسان ، فلا يكفي لتكوين التفكير الحرّ لدى الإنسان أن يقال له : « فكِّر كما يحلو لك » ، كما صنعت الحضارة الغربية ؛ لأنّ هذا التوسّع في الحرّية سوف يكون على حسابها ، ويؤدّي في كثيرٍ من الأحايين إلى ألوانٍ من العبودية الفكرية تتمثّل في التقليد والتعصّب وتقديس الخرافات ، بل لابدّ في رأي الإسلام لإنشاء الفكر الحرّ أن ينشئ في الإنسان العقل الاستدلالي أو البرهاني الذي لا يتقبّل فكرةً دون تمحيص ، ولا يؤمن بعقيدةٍ ما لم تحصل على برهان ؛ ليكون هذا العقل الواعي ضماناً للحرّية الفكرية وعاصماً للإنسان من التفريط بها بدافعٍ من تقليدٍ أو تعصبٍ أو خرافة . وفي الواقع أنّ هذا جزء من معركة الإسلام لتحرير المحتوى الداخلي للإنسان ، فهو كما حرّر الإرادة الإنسانية من عبودية الشهوات - كما عرفنا سابقاً - كذلك حرّر الوعي الإنساني من عبودية التقليد والتعصّب والخرافة . وبهذا وذاك فقط أصبح الإنسان حرّاً في تفكيره ، وحرّاً في إرادته .