فإن قيل : ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما
إلى الأخرى ، وهما مهملتان ، فإنه لا يكون كلاما ، وذلك كما لو أسندت مقلوب
زيد إلى مقلوب رجل ، فقلت : ديز هو لجر .
قلنا : المراد من الكلمة التي منها التأليف ، اللفظة الواحدة الدالة بالوضع على
معنى مفرد ، ولا وجود لذلك فيما ذكروه . غير أن ما ذكروه من الحد يدخل
فيه قول القائل : حيوان ناطق ، وإنسان عالم ، وغير ذلك من النسب التقييدية .
فإنه لا يعد كلاما مفيدا ، وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الأخرى ، والوجب
أن يقال : الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه .
الأصل الثاني
في مبدأ اللغات وطرق معرفتها
أول ما يجب تقديمه أن ما وضع من الألفاظ الدالة على معانيها هل هو لمناسبة
طبيعية بين اللفظ ومعناه ، أم لا .
فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك ، مصيرا منهم إلى أنه لو
لم يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية ، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك
اللفظ أولى من غيره ، ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع ، لو وضع
لفظ الوجود على العدم ، والعدم على الوجود ، واسم كل ضد على مقابله ، لما كان
ممتنعا ، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون ، والقرء ونحوه ، والاسم الواحد
لا يكون مناسبا بطبعه لشئ ، ولعدمه . وحيث خصص الواضع بعض
الألفاظ ببعض المدلولات ، إنما كان ذلك نظرا إلى الإرادة المخصصة ، كان الواضع
هو الله تعالى ، أو المخلوق إما لغرض ، أو لا لغرض ، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية ،
وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري
الاحكام — صفحة 73
مساهمون: الآمدي
ص٧٣