وعن الثانية : أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي يطلب منها غلبة
الظن دون اليقين مثله في الاجماع ، مع كونه يقينيا ، كيف وإنه لو اعتبر في الاجماع
ما يعتبر في الرواية ، لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا ، كما أن روايته
وحده مقبولة . وليس كذلك .
وعن الثالثة : أن الاحتجاج بالاجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل
إما بصريح المقال أو قرائن الأحوال ، وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق
الأكثر ، وأما حيث لا يعلم فلا . وإن قيل إن ذلك غير ممكن ، فمثله أيضا جار
في الأكثر . ويلزم من ذلك أن لا ينعقد الاجماع أصلا ، وهو خلاف الأصلين .
وعن الرابعة : أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم ، وعلى
من يوجد بعدهم ثم إن كان الاجماع يكون حجة إلا مع الخلاف ، فليزم منه
أنه إذا لم يكن خلاف ، لا يكون إجماع ، وهو ظاهر الإحالة .
وعن الخامسة : أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء على
إجماعهم واجتهادهم ، بل بناء على مخالفة ما رووه له من الأخبار الدالة على تحريم
ربا الفضل ونسخ المتعة ، على ما جرت به عادة المجتهدين في مناظراتهم ، والانكار
على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ من جانب الخصم ، وذلك
كما قال ابن عباس : من شاء باهلني باهلته ، والذي أحصى رمل عالج عددا ما
جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا ، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث
وقال آخر : ألا يتقي الله زيد ، يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أب الأب أبا . وليس
ذلك لان العود إلى قوله واجب على من خالفه ، بل بمعنى طلب الكشف عن مأخذ
المخالفة . وإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الأكثر إجماعا ، فيمتنع أن يكون حجة
لخروجه عن الأدلة المتفق عليها . وهي النص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة
والقياس وعدم دليل يدل على صحة الاحتجاج به . ولذلك لا يكون أولى بالاتباع ،
لان الترجيح بالكثرة ، وإن كان حقا في باب رواية الاخبار لما فيه من ظهور أحد
الظنين على الآخر ، فلا يلزم مثله في باب الاجتهاد ، لما فيه من ترك ما ظهر له من
الدليل لما لم يظهر له فيه دليل ، أو ظهر ، غير أنه مرجوح في نظره .
الاحكام — صفحة 239
مساهمون: الآمدي
ص٢٣٩