كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد إنما
هو بسبب اتباع غير سبيل الامام وحده دون غيره ، وهو خلاف الظاهر .
قولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين ، لكن إذا علم أنهم مؤمنون ،
قلنا : المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن
مخالفته ، فإن كان سبيلهم معلوما ، فلا إشكال ، وإن لم يكن معلوما ، فالتكليف
باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن ، أو يكتفى فيه بالظن . فإن كان الأول ، فهو
تكليف بما لا يطاق ، وهو خلاف الأصل ، وإن كان الثاني ، فهو المطلوب .
وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى ، فليس في بيان كون الاجماع حجة
متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شئ ، وأصلا له
وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول
في كل متنازع فيه ، وكون الاجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه . وقد رددناه
إلى الله تعالى ، حيث أثبتناه بالقرآن . وهم مخالفون في ذلك .
وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع الأمة على
ما نهوا عنه ، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده ، ولا يلزم من جواز
المعصية على كل واحد جوازها على الجملة .
سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية ، ولكن غاية ذلك جواز
وقوعها منهم عقلا . ولا يلزم من الجواز الوقوع . ولهذا فإن النبي عليه السلام
قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى : * ( ولا تكن من الجاهلين ) * ( 6 ) الانعام : 35 ) وقال
تعالى لنبيه : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( 39 ) الزمر : 65 ) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم
بكونه معصوما من ذلك .
الاحكام — صفحة 209
مساهمون: الآمدي
ص٢٠٩