ولكنّ أوروبا القرون الوسطى لم تعرف أعمال أبولونيوس
( Apollonius )
إلّا بشكل غير مباشر . فقد حصل أول اطّلاع على نظرية المخروطات بطريقة مفارقة إلى حد ما ، من خلال ترجمة لاتينية لكتابٍ في علم البصريات ، وذلك قبل فترة طويلة من وصول نص المخروطات باليونانية أو بالعربية إلى العالم اللاتيني « 1 » ذلك أن جيرار دو كريمون ، عندما ترجم ، في القرن الثاني عشر ، مؤلَّف ابن الهيثم في المرايا المحرقة المكافئة
( Liber de speculis comburentibus )
، أورَد قبل النص مقطعاً قصيراً مترجماً من العربية أيضاً ، يتضمن نصوص بعض القضايا الأولى من الكتاب الأول من مؤلَّف أبولونيوس " المخروطات "
( Les coniques )
، دون البراهين ، معتقداً ، وهو محق في ذلك ، أنّ هذه القضايا ضرورية لفهم العمل . وهكذا ، وفَّر مؤلَّف ابن الهيثم ، الذي عرف انتشاراً واسعاً في العالم اللاتيني ابتداءً من القرن الثاني عشر ، لعلماء الرياضيّات أول إمكانية للاطّلاع على علم هندسة المخروطات . ولكن ، وكما قال مارشال كلاجيت
( Marshall Clagett ) : "
لم تؤخذ من قضايا أبولونيوس سوى التعليمات المتعلّقة ببناء القطوع الثلاثة . . . وواضحٌ أنّ من الصعب على هذا المقطع التمهيدي أن يُقَدِّم للقارئ اللاتيني ، حديث العهد بالرياضيّات ، من المعلومات الدقيقة ، ما يُمكِّنه من فهم المعالجة المتخصِّصة للقطع المكافئ التي وردت عند ابن الهيثم « 2 » داخل كتابه في " المناظر " ( ) "
De speculis .
ولقي مؤلف آخر في علم البصريات انتشاراً واسعاً في العالم اللاتيني ، وضعه ويتيلو
( witelo )
في العام 1271 م ، تحت عنوان
Perspectiva
، وهو مرتبط مباشرة بكتاب " المناظر " لابن الهيثم ، من خلال ترجمة لهذا الكتاب إلى اللاتينية وُضعت أيضاً في القرن الثاني عشر بعنوان
De Aspectibus
أو
Perstectiva .
لقد أتى مؤلَّف ويتيلو هذا إلى أوروبا العصر الوسيط ببعض الأضواء على نظريّة المخروطات . فقد كان هذا الكاتب ، وفق مارشال كلاجيت " أول مؤلِّف يقرأ حلّ ابن الهيثم بالتوازي مع نص أبولونيوس « 3 » " ، هذا النص الذي ربما استطاع الكاتب الوصول إليه بفصل غيّوم دو مُويربك « 4 » . وقد طبع هذا المؤلَّف في العام 1535 في نورمبرغ
( Nuremberg )
مع الترجمة اللاتينية لكتاب " المناظر " لابن الهيثم بعنوان
Opticae thesaurus Alhazeni liber septem
، وأصبح النص الأساسي في علم البصريات ولعب دوراً رئيسياً في إنشاء علم البصريات الحديث . فقد أثّر كثيراً على روجر بايكون وجون بيشام
( John Pecham )
وعلماء البصريات اللاتينيّين أمثال كيبلر
( Kepler )
وديكارت
( Descartes )
وفيرما
( Fermat ) .
لجأ ويتيلو في نصه إلى المصطلحات اليونانية للإشارة إلى القطوع المخروطية
( ellipse , hyperbole , parabole )
، في حين استخدم جيرار دو كريمون ترجمة حرفيّة للمصطلحات العربية
( Sectio mukefi
و
sectio addita
و
sectio diminuata )
« 5 » ؛ وذكر ويتيلو عمل أبولونيوس تحت عنوان
Liber de conicis elementis
، في حين فعل ذلك جيرار دو كريمون تحت عنوان
Liber de pyramidalibus
أو
Liber pyramidum .
والرسالة الوحيدة في العصر الوسيط ، في القطوع المخروطية ، التي لم تُكتَب في سياق علم البصريات هي تلك التي كتبها جان دو بالرم ، في النصف الأول من القرن الثالث عشر ، وهي رسالة مترجمة أيضاً من العربية وعنوانها
هامش
( 1 ) راجعMarshall Clagett , Archimedes in the Middle Ages , vol . IV , A Supplement on the medieval Latin translations of conic sections ( 1150 - 1566 ) , part I , Text and analysis ( The American Philosophical Society , Philadelphie , 1980 ) .( 2 ) ورد اسم ابن الهيثم هنا :Alhazen ( "الهازن " ، الشكل اللاتيني لكلمة " الحسن " ؟ ) ، كما في أغلب المؤلفات اللاتينية ( المترجِم ) .
( 3 ) راجع المرجع سابق الذِكر :M . Clagett , p . 30 .( 4 ) لنرَ ما قاله مارشال كلاجيت في هذا الصدد : " ستبيّن تحليلاتنا ، أنّ ويتيلو كان بمتناوله على الأرجح الاطّلاع المباشر على كتاب " االمخروطات " لأبولونيوس عن طريقين : إمّا من خلال النص اليوناني نفسه ، الذي قرأه ربّما بمساعدة مويربك ، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً ، وإمّا من خلال ترجمة لاتينية وضعها صديقه . . . ولو ثبت أنّه قرأ أو اطّلع مباشرة على مؤلَّف " المخروطات " ، لكان على الأرجح ، الوحيد الذي سبق ريجيومونتانوس( Regiomontanus )إلى ذلك . لكن ، ولو صحّت قراءة ويتيلو ل - " المخروطات " ، فإنّ هذه القراءة تبقى مرتبطة إلى حد بعيد بمقطع أبولونيوس الذي ترجمه جيرار دو كريمون " راجع المرجع سابق الذِكر :M . Clagett , p . 64 .( 5 ) هي بالعربية على التوالي : قطع مكافئ ، وقطع زائد ، وقطع ناقص ( المترجِم ) .