أكان يعني بوعده من كنز كسرى هذه البدعة الأعجمية التي لن
تغنيه من جيش أبي سفيان ، ولا تمنعه شيئا ؟ لقد وعدنا بكنز
وها هو الكنز ! . أما جواهره فليست غير جثثنا وأشلائنا . وذهبوا
ماضين من هذا بلحن من القول مختلف اختلافا شديدا ، ولكنه
يتفق على إذاعة الرهبة والجزع في أحياء المدينة ، وقد بلغوا
من إذاعة هذا مبلغا أشاع من الرهبة والجزع ما لا سبيل إلى
تصويره بأروع وأدق مما صوره القرآن الكريم به ، إذ يقول :
( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسف منكم وإذ زاغت الأبصار
وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ، هنالك ابتلي
المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في
قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ، وإذ قالت
طائفة يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ، ويستأذن فريق منهم
النبي يقولون إن بيوتنا عورة ، وما هي بعورة إن يريدون إلا
فرارا ) .
وكانت أدوات النصر القاهرة على هذه المحنة ثلاثا : خطة
سلمان وسيف وعلي ، وتدبير النبي ، وأعظمها هذا التدبير ، إذ
أرسل نعيم بن مسعود - وكان يكتم إسلامه - يسعى بين قريش
واليهود حتى قضى على روحهم المعنوي ، وأفسد ما بينهم من
تبادل الثقة والتعاون ، غارسا في نفوس الأحزاب من القلق
والشك والحذر ما ساعده على تفتيت قواهم ، وبهذا أجهز
عليهم ، فولوا الأدبار في ليلة لم يحاربهم فيها غير نفوسهم
والرياح ! .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 91
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٩١