ما احتمل ، ونهض بما تنوء تحته الجبال ثمنا لهدى عشرين
سنة فقط ؟ خسر - إذن - عمار وضل وفأل رأيه ! .
قال المحدث : هذا كان من حساب عمار عندما خير
واختار ، منحازا إلى أصغر كتلة حجما وأكبرها معنى ، وكان
الناس من مهاجرين وأنصار أحزابا ، إذ ظهرت بعد النبي معلنة
تعافس وتشاكس ، فقد كانت قائمة في عهد النبي يعرفها ،
ويعلم ذوات صدورها ويعلن من أمرها ما حفظه عمار ، وأدرك
مغزاه ، ووطن نفسه على احتمال شدائده . وقد علم فيما علم
أن المدينة تنغلق على أربعة أحزاب ، ثلاثة منها زمنية أتم ما
تكون الأحزاب السياسية في كل عصر ، فهي أحزاب مصلحية
تتضارب حين تشاء لها مصالحها أن تتضارب ، وتتصافح حين
تشاء لها مصالحها أن تتصافح ، وعلم أنها متفقة في مكمنها من
عهد النبي اتفاق طريق ، فهي مجتمعة على مصلحتها المشتركة
التي بدت لهم في إزاحة علي عن مركزه . ثم رآها من بعد
مختلفة أشد الاختلاف ، يفئ أكثرها إلى علي ، وينادي
باسمه ، ثم ينحرف بعض ، ويستقيم مستمرا في الاستقامة
لعلي بعض آخر ، وعلي ماض لشأن الحق لا يحزنه من
انحرف . ولا يفرحه من استقام .
قال المحدث : أما هذه الأحزاب الأربعة التي رآها عمار
واختار أضعفها دنيا ، وأقواها آخرة .
فأولها حزب أبي بكر وعمر ، وكان هذا حزب الساعة بمن
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 94
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٩٤