كما يتحدث في أمر من أمور الحياة الواقعة التي لا تقلق البال
ولا تشوش الخاطر ، ولا من شأنها أن تشوش خاطرا أو تقلق
بالا ، فيطمئن عمار كما يطمئن الذين خلصت قلوبهم
للإسلام ، واستقرت بإيمانها استقرارا لا يرى الهول هولا مهما
عظم .
ويعقد النبي مجلسه يشاور فيه أصحابه ، ويرى ما عندهم
لرد ما دهمهم من اليهود والمشركين ، ويحضر المجلس فرسان
الرأي وفرسان الحرب من مهاجرين وأنصار ، فيطرح على
البساط رأيان : أحدهما - لقاء العدو في ( أحد ) أو في مكان
يلاقونهم إليه خارج المدينة ، وثانيهما - التحصن بالمدينة
( العذراء ) فما غلبت في عقرها قط ، ويفوز الرأي الأخير ثم
يزيده رجحانا وأصالة انضمام سلمان الفارسي إليه بخطة
أدهشت القوم حتى علت الصيحة بعد بسطه تتداعى سلمان ،
يقول المهاجرون : سلمان منا ، ويقول الأنصار : سلمان منا ،
ويحجز النبي بين الفريقين فيقول : سلمان منا أهل البيت .
قال سلمان : أرى أن نستقر في المدينة ، نحصن ثغورها ،
ثم نسورها بخندق يحول بيننا وبين القوم ، فإذا حجزوا وراءه
غلبناهم بالمطاولة وهزمناهم بالتدبير . وكان الوقت معنا دونهم ،
فنحن في مآمننا فلا تزعجنا هذه الرياح ، ولا تربكنا هذه
الأمطار ، ولا يعادينا من ( الشتاء ) ما يعاديهم منه في مخيماتهم
التي لا تكاد تثبت لعاصفة ، ثم إن عندنا من الذخيرة والمؤن ما
يكفينا إلى ما شاء الله ، فلنلبث في بيوتنا ، ولنغلق على مدينتنا
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 88
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٨٨