الأشداء من قريش على عثمان رجعوا إليه بعد مصرعه ،
ولعل موقف عائشة في هذه المأساة أوضح صورة للتناقض
الغريب المدهش في موقف قتلة عثمان من هؤلاء القرشيين
الطامعين . قتلته عائشة بتحريضها العنيف السافر ، وسعيها
الحثيث النشيط ، وهي تأمل عودة الحكم إلى ( تيم ) في
شخص ابن عمها طلحة ، وقتله طلحة والزبير وسعد بن أبي
وقاص بأموالهم ودسائسهم ، وقتله معاوية وحزبه من عمال
الأمويين بتخليهم عنه ، وقتله مروان وآل الحكم ورفاقهم من
آل أبي معيط بأنانياتهم واستخفافهم ، فلما قتل وصار الأمر إلى
علي بإجماع رأي المسلمين ، انقلب هؤلاء جميعا دون توطئة
ولا تمهيد ، فإذا عثمان الظالم الكافر أمس ، شهيد مظلوم
اليوم ! . والمؤلم في هذا التناقض أنه وجه من مرضى النفوس
جندا خفوا لندائه ، وأسرعوا إلى تلبيته في ( وصوليته ) لا تخجل
من وقاحة التناقضات ، بل تركب صلفها إلى المطامع ، وكان
من أثر هذا أن تعقدت الأمور لا في المدينة فقط بل في
عواصم المملكة الإسلامية كلها ، نكث طلحة والزبير وسعد
بيعة علي ، وتخلف عنها في المدينة نفر قليل ، وانتشر الفساد
في أرجاء العالم المسلم ، فأبى البيعة معاوية في دمشق ،
وحرن أبو موسى الأشعري في الكوفة حرانا بغيضا ثقيلا ،
وتنبهت روح الحذر في كل مكان ، فكان الرؤوس متربصين
ينتظرون انجلاء الأفق .
وإننا لنعرف لشيعة علي كلهم جهدا كريما ، وعزيمة
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 216
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢١٦