هؤلاء الأشخاص الذين يرون إلى لحومهم ودمائهم من معدن
أكرم من لحمه ودمه .
هذا يدعوك إلى تقويم موقف عمار حق تقويمه ، وينهاك عن
الزهد بنباهته ونشاطه وارتفاع صوته في عهده : عهد علي ،
فالحق أن موقفه كان موطن قوة في هذا العهد ، بمقدار ما كان
موطن ضعف في عهد عثمان .
* * *
بكر عمار بالمعارضة في عهد عثمان ، فأعلن عصيانه ولما
يبايع الرجل ، ثم بكر عثمان بالخروج على العرف الإسلامي
بحمايته عبيد الله بن عمر - كما سمعت - فدعا عمار إلى
الجهاد متقبلا على علي وهو ينادي : أيا ناعي الإسلام قم
فانعه ، قد مات عرف ، وبدا نكر ، أما والله لو أن لي أعوانا
لقاتلتهم ، والله لو قاتلهم واحد لأكونن ثانيا ) .
وليس لجهاد عمار وثباته وتضحياته من نتيجة غير أن يكون
قطبا من أقطاب العهد العلوي ، فكان كما تنتظر منذ اللحظة
الأولى ثم لم يكن ذلك الصامت الطويل الصمت لا يقطعه إلا
بتنهدات قصيرة تعوذ بالله من الفتنة ، بل كان رجلا آخر متصل
القول ، طويل الكلام ، شديد الجدل ، كثير الحوار ، ومرد هذا
التطور ظاهر ولا يلجئ الناقد إلى عمق من التعليل بعيد
القرار ، فقد هل العهد العلوي في أفق معتكر الجو ، مضطرب
الأجواء ، ملبد بالغيوم ، واستهلته فتن قسمت الناس ، وأطعمت
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 214
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢١٤