الحديث غامض - كما ترى - ولكن الذي نعرفه من نزعة
عمار يلقي عليه ضوءا ، ويزيل عنه هذا الغموض الذي بسطه
عليه إبهام هذا الصنيع المنسوب إلى علي ، ولك أن تفترض
مطرفا إنما ذكر عليا بخير في صنيعه ، ولك أن تفترض أنه شنع
على علي في صنيعه ، فإن مدح مطرف لعلي وهجاءه لا يغيران
شيئا من جواب عمار الصريح الشبيه به ، فإن كان مطرف قد
ذكر عليا بخير ، وفهم منه عمار التعريض بالخليفة - وهو
الأشبه بمجرى الحوادث - كان انتهار عمار إياه ، معناه إساءة
الظن به ، واتهامه بالتجسس عليه لمعرفة رأيه بعمر بعد تأميره
له ، ومن أقرب الأمور إلى وعي عمار أن يكون يقظا حذرا في
مثل هذه الأحوال .
وإن كان مطرف قد ذكر عليا بما لا يرضى عمارا - وهو ما لا
نظنه - كان جواب عمار الصدى المنتظر لولائه ونزعته ، وكان
معناه لفت نظر مطرف إلى مواضع من سيرة الخليفة لا تبرأ من
النقد ، يقابل بذلك مطرفا متأتيا لإسكاته .
ومما لا يكاد يشك فيه أن عمارا بإمارته هذه كان يجتاز
امتحانا قاسيا صعبا ، وأنه كان يمضي في امتحانه هذا ماهرا
محترسا ثابت القدم في مبدئه ، وأنت لا تدري ما هي المسألة
التي سئل عنها وأنسأ الجواب عليها إلى وقت الحاجة ، وأنا
مثلك لا أدري ما هي ؟ ولكن لا نظن أنها كانت تتسلف رأي
عمار بالخليفة بعد عمر ؟ ثم ألا نظن أن المسألة كانت
مدسوسة دسا لم يخف على عمار الذي فطن إلى أنها جس
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 158
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٥٨