من إنشاء الخطبة إنشاء في عهد يعارضه هو رأيا ، ولا يريد أن
يعارضه فعلا ، حرصا على الاستقرار .
ولا يعهد في الورع أسلم ولا أسد من هذه السياسة في مثل
هذه الحال ، فخطبة الجمعة إنما اشترعت لتأييد الحكم
القائم ، والدعاء له ، وعمار أمير في عهد لا يدين له بالرأي ،
فإن دعا له حابى في الدين وإن دعا عليه عرض نفسه للهلكة ،
فماذا هو صانع ؟ ليس شئ أفضل في تفادي هذا المأزق من
الخطبة بسورة قرآنية ، وبسورة يس بالذات .
وما يدرى أكان لهذه الخطبة أثر في عزل عمار أم لا ، ولكن
الذي لا يشك فيه أن هذه الخطبة لا تسر الخليفة ، إن لم
تضاعف شكه بالهاشميين وأنصار الهاشميين ، وتحثه على
إقصائهم خوفا عليهم من فتنة الناس ، وخوفا على الناس من
فتنتهم .
ما ندري هل زعزعت هذه الخطبة القرآنية مكانة عمار في
نفس الخليفة ، وأيأسته منه أم لا ، ولكن ابن سعد حدثنا حديثا
آخر لعله يتصل بهذا الموضوع فقال :
( دخل مطرف على رجل بالكوفة ، وإذا رجل قاعد إلى جنبه
وخياط يخيط إما قطيفة سمور أو ثعالب ، قال : قلت ألم تر ما
صنع علي ، صنع كذا وصنع كذا . قال : فقال : يا فاسق ألا
أراك تذكر أمير المؤمنين ؟ . قال : فقال صاحبي : مهلا يا أبا
اليقظان فإنه ضيفي قال : فعرفت أنه عمار ) .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 157
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٥٧