ابن سمية وياسر ذلك الجبار على أبي جهل وعذابه ، لا
تنتظر منه كبرا ولا بطرا ولا غرورا . لقد وجد نفسه سيدا فوق
السادة حقا ولكن ذلك لم يزده إلا تواضعا وخشوعا وإيمانا
بالحق من هذا الدين الذي أوحاه الله ، وجاء به الرسول . مضى
إلى شأنه أميرا كالعهد به وهو رعية ، وللإمارة سلطان خارج عن
ذاته ، هو فوقها عنده ، وليس حظه منه إلا بسطه على الجميع
في مداره العام ، فلو أدانه نفسه لأخذ من نفسه ما يأخذ من
غيره دون فرق ، فإذا فرغ من الأمور العامة خلع ثوب الإمارة ،
وعاد عمارا كما هو ذلك المواطن الوديع الصامت المفكر ، لا
يستعلي ، ولا يتبجح ، ولا يحتجب ، بل يخالط الناس
كأحدهم ، ولعله يخالطهم كأدناهم ، يزاحم فلا يغضب
ويماكس فلا يستعين بالإمارة ، وقد يغلظ عليه القوم فلا يرد إلا
بالابتسام ، فإذا تكلم لم يقل هجرا ، ولكن دعاء يرجو به
للمعتدي مغفرة أو خيرا .
حدث ابن سعد فقال :
اشترى عمار قتا ( 1 ) بدرهم فاستزاد البائع حبلا فأبى عليه
البائع ، فجاذبه الحبل حتى قاسمه إياه ثم حمل ألقت على
ظهره وهو أمير الكوفة .
هامش
( 1 ) ألقت : نوع من النبات يزرع لأكل الماشية خاصة وكان أهل البادية
يأكلون حبه في أيام القحط . يظهر من هذه القصة أن راتب عمار اليومي
كان يتحول أغناما .