المرضى بشهوة الحكم ممن يعارضون من أجل المعارضة ،
ومشى رشيدا حازما كبير الحظ بمواتاة هذا الظرف الذي
فرضت السكينة فيه على جميع الأحزاب ، ورضي البناؤون
وساهموا برفع البناء ، وهدأ الهدامون وأرجأوا مطامعهم إلى
سنوح الفرصة ، واتجهت الهمة جمعاء إلى توطيد الحكم
الإسلامي في هذه البلاد المفتوحة ، ونقل هذه الأمم من عالمها
القديم إلى عالم ( محمد ) الجديد .
وعلي خلال ذلك مقبل على مدرسته يذيع منها المعرفة ،
منصرف إلى عمله يكسب منه الرزق ، ساهر على مصلحة
الدولة يشير عليها بما يجنبها وعورة المآزق ، ويسهل لها حل
المشكلات ، وتلاميذه صور منه يسعون بين الناس معرفة
وطمأنينة ، وتعاونا مع كل مريد للدولة خيرا ، أو مبتغ للأمة
صلاحا . وعمار أحد هؤلاء التلاميذ الهداة المهديين ، ولعل
صمته الطويل ، ولسانه القصير جعلاه من أقربهم إلى رضى
العهد العمري ، وأبعدهم عن حذر أبي حفص ، وقد كان من
سياسة أبي حفص إقصاء الهاشميين وأتباعهم ومن بحكمهم عن
المراكز لئلا يستغلوها بالدعوة إلى أنفسهم ، ذلك ما عناه بالفتنة
التي خشيها عليهم وعلى الناس ، ولكن عمارا ليس جبارا في
الأرض ، ولا طامحا إلى الخلافة ، ولا معتزا بغير التقوى
والصلاح ، نعم هو من أتباع علي ، ولكنه طويل الصمت قصير
اللسان فلا يخشى منه ، ولعل توليته ترضي الهاشميين بهذا
النصيب من الحكم الذي يصلهم عن طريق عضو من أعضاء
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 153
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٥٣