وهم جميعا الآن إزاء أمر واقع لا تنفع فيه الملاحاة ، ولا يغني
عنه الجدل ، فليبق ما في النفوس في النفوس ، ولينشط الكل
لإقرار الأمن ، وحفظ الدولة ، والدفاع عن الدين .
وكان علي أسرع الجميع إلى الاستجابة لنداء ضميره
استجابة حدثنا عنها فقال : ( فوالله ما كان يلقى في روعي ، ولا
يخطر ببالي أن العرب تزيح هذا الأمر من بعده - صلى الله عليه
وآله - عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عني من بعده ، فما راعني
إلا انثيال الناس على أبي بكر يبايعونه ، فأمسكت بيدي حتى
رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق
دين محمد - صلى الله عليه وآله - فخشيت إن لم أنصر الإسلام
وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما . تكون المصيبة به علي أعظم
من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل . يزول منها ما
كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في
تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق ، واطمأن الدين
وتنهنه ) .
لم يكن يبالي شيئا غير الإسلام ، ولا يخشى شيئا غير محق
الدين فلما رأى راجعة الناس ترجع عن الإسلام ، نسي ذاته ،
وداس كل اعتباراتها ، وتجند - ولما يبايع - وجند أصحابه ،
وكان أول محام عن الثغر ، وما عجب الناس إذ رأوه طليعة
الدفاع عن المدينة ، بل مشوا خلفه يكشف ويكشفون معه
طليحة بن خويلد ومن اجتمع له من أسد وغطفان وطي وكنانة ،
وقد طمعوا بمن في المدينة ، وأطمعهم بهم انقسامهم ، ولكنهم
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 148
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٤٨