فتنة ومصدر قلق قد لا يسلم من شره الدين ، وكان بالإضافة
إلى هذا كله موصى : أوصاه النبي بالصبر والتضحية ورعاية
مصلحة الإسلام العليا ، من أجل هذا صبر علي واستأنى
وانتظر الحوادث ، فلم يسرع إلى الناس يدعوهم إلى البيعة ،
مخلدا إلى حزنه على النبي ، وترفعه عن طلب حقه الثابت ،
وإخلاصه للدين ، ويقينه أن الناس لا ينحونه عن حقه وإن
همت بتنحيته الأحزاب ، نعم حاول العباس أن يسرع فيبايع
عليا ويبايعه أهل بيته ، فيبت بالأمر ويحسمه وتكون بأيديهم
المبادرة ، ولكن عليا أبى قائلا لعمه : ( ومن يطلب هذا الأمر
غيرنا ) .
باب النبي مغلق على جنازته وآله معها . والجماهير دون
الباب غفيرة يهولها الحدث ، ويسيطر عليها الجزع ، ترى إلى
نبض الحق وقد سكن فما تدري من هول الصدمة وفداحة
الخسارة ما تصنع ، وعمر بينها هائج يصرخ ، يمثل ، إنه يخشى
أن يقضى الأمر وتخف الجماهير إلى بيعة علي ، وأبو بكر
غائب في السنح عند إحدى زوجاته ولما يحضر ، فما يدري
عمر هو الآخر ما يصنع ، وكان أحكم ما بدا له أن يهيج
ويصرخ ويمثل ليصرف الناس - وهم ذاهلون - عن الاسراع
إلى بيعة علي ، ويؤخرهم حتى يحضر أبو بكر فيتدارسان
الخطة ، وإنها لتبدو لعمر كما يبدو لأبي بكر بعيدة المنال ،
صعبة المرتقى ، ولكنه فليحاول . واستوى له هذا الرأي فمضى
هائجا يصرخ في الناس ، والناس ذاهلون تسيطر عليهم روح
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 121
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٢١