على منحى التحدي أما على منحى الانتهال المضموني فإن النص كان وما زال خطاباً ثابت المبنى متحرك المعنى فمهما ارتشفت منه العقول من دلالة أو فهم مضموني يبقى النصُّ فوق مستوى الاستقاء الدلالي وإن اجتهد العقل في ذلك ؛ لأن النص يمثل أعلى درجات العمق الدلالي والبعد الغائي قياساً إلى عقول البشرية ، فالعقل مُحدَّد وإن أثمر وأنتج ، والنصُّ مطلقٌ وإن استُفِيدَ منه معنى ودلالة ، من هنا كانت ثمة علاقة جدلية بين العقل ( المُستَثمِر الدلالي ) وبين النص ( ميدان الاستثمار وموئل الجُهد العقلي ) ، وكلّما تقدم مستوى العقل استحصل بفعل مُستجداته العلمية وموارده الفكرية العالية معنىً جديداً من النص لم يُعرَف من قبل ؛ لأن العقل يقرأ النص زمنياً بعوامل تراكم المعرفة وموارد الوافد العلمي عليه ، بيد أن هذه القراءة تبقى محدودة من حيث انحصارها بنطاق زمن الاجتهاد الذي أبدع فيه ذلك العقل تلك الدلالة المقروءة من النص ، وتأسيساً على هذا تبقى ( الدلالة ) رهينة الزمن ؛ ولما كان النص خارجاً عن نطاق الزمن كانت الدلالة المُستحصَلة منه لا تمثل النطاق النهائي لمديات النص المضمونية ؛ لأن النص مدى لا حُدود لمساحته ولارؤيا لحدوده البتة .
بناءً على هذا المنطلق فإن كلَّ مفسٍّر له أن يخوض في نطاقات النص دلالياً على وفق حاكمية المقررات الضابطة لقراءة النص القرآني فيصل إلى
معنى ما يراه راجحاً من منظوره ؛ إلا إن هذا الناتج الدلالي مهما كانت قوة استدلاله فإنه قابل للمناقشة والترجيح عليه اعتماداً على قوة المُستَدَلُّ به ؛ إذ يدخل الحوار التفسيري حيز الصراع الاستدلالي فيتغلَّب الرأي الذي هو
السيد الشهيد محمد الصدر ، بحوث في فكره ومنهجه وإنجازه العلمي — صفحة 342
مساهمون: نخبة من العلماء و الباحثين
ص٣٤٢